مغسلة (ماسك)

07/11/2022 0
د. عبدالله الردادي

بعد أشهر من المناوشات، استحوذ (إيلون ماسك) على تويتر بقيمة بلغت 44 مليار دولار، توالت التوقعات طيلة هذه الأشهر حول ما سيفعله (ماسك) بشأن تويتر، وعندما تمت الصفقة حبس المتابعون أنفاسهم مترقبين ما سيفعله. ولم يطل حبس الأنفاس كثيرا، ففي أول يوم له، دخل (ماسك) الشركة وهو يحمل «مغسلة» في إشارة إلى ما ينوي فعله بالشركة، وهو تصرف لا يستغرب من (ماسك)، فهو من ظهر في لقاء تلفزيوني وهو يدخن الحشيش، كما أنه أعلن قبل فترة عن تحديه للرئيس الروسي (بوتين) في قتال يدوي، ليحدد الفائز منهما مصير أوكرانيا. وبعيدا عن هذه التصرفات، وفي أرض الواقع، فقد بدأ (ماسك) بالفعل في التغيير في تويتر، فسرح نحو نصف موظفي تويتر، وأعلن عن أن توثيق الحسابات سيكون بتكلفة شهرية تبلغ 8 دولارات. فهل لهذه القرارات ما يبررها؟ أم أنها إحدى شطحات (ماسك)؟

بغض النظر عن تويتر نفسه، فإن قطاع التقنية الأميركي يعاني كثيرا هذه الأيام، ففي الأسبوع الماضي وبعد إعلان النتائج الربعية، شهدت الشركات التقنية هبوطا جماعياً في أسعار الأسهم، فانخفضت أسهم كل من ألفابت وأمازون وأبل ومايكروسوفت وميتا، والأخيرة تحديدا خسرت نحو ربع قيمتها السوقية في يوم واحد. هذا الانخفاض جاء بعد نتائج مخيبة للآمال ومخاوف من ركود اقتصادي محتمل، تسببت في عمليات بيع جماعي للأسهم. وانخفض معدل ربحية أسهم شركات التقنية بنسبة 34 في المائة، مقارنة بانخفاض القطاعات الأخرى في SP500 والذي بلغ 26 في المائة.

والواضح أن هذه الشركات مدركة تماما للمعاناة، ولذلك فقد سبقت (ماسك) في تسريح الموظفين وشد الحزام، وتوضح الإحصاءات أن شركات التقنية الأميركية سرحت أكثر من 45 ألف موظف لهذا العام وحده، وأن إعلانات تسريح الموظفين زادت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بنسبة 48 في المائة مقارنة بنفس الشهر العام الماضي. كما أن العديد من الشركات أوقفت التوظيف لهذا العام مثل أمازون التي صرحت بأن حالة عدم اليقين الاقتصادية هي السبب في إيقاف التوظيف، وأنها ستراقب الوضع خلال الأشهر القادمة قبل إعادة التوظيف. وأسباب تسريح الموظفين متعددة، أبرزها أن هذه الشركات زادت التوظيف في أواخر 2020 وبدايات 2021 بسبب ارتفاع الطلب المدعوم من حالات الإغلاق أثناء الجائحة، وهي الآن مع انخفاض الطلب أصبحت تغص بموظفين ليست بحاجة لهم. والواقع أن (جاك دورسي) المالك السابق لتويتر ومؤسسه، اعتذر علنا للموظفين المسرحين من تويتر، معتبرا أنه يتحمل مسؤولية هذا التسريح، وأنه استعجل في زيادة عدد الموظفين.

ومسببات ما تواجهه شركات التقنية الآن لا يبتعد كثيرا عن أسباب المعاناة الاقتصادية حول العالم، فأسعار الفائدة المرتفعة ضغطت كثيرا على شركات التقنية، لا سيما الشركات الناشئة التي يعتمد مستثمروها بشكل كبير على تمويل البنوك. كما أن التضخم أثر كثيرا على الطلب العالمي. وشركات التقنية تحديدا تعتمد على الطلب العالمي أكثر من غيرها من الشركات الأميركية، وتشير الإحصاءات إلى أن 58 في المائة من عوائد شركات التقنية الأميركية تأتي من خارج أميركا، مقارنة بـ40 في المائة لباقي شركات SP500. ورغم قوة شركات التقنية وسيطرتها، إلا أن المخاوف هي أن هذه الشركات بلغت بالفعل ذروتها، وأنها ستتضرر كثيرا من حالة الركود الاقتصادي، وكأن العالم كان يتصور أن هذه الشركات منيعة من العوامل الاقتصادية السلبية، لا سيما مع صمودها، بل وازدهارها أثناء الجائحة.

إن تصرفات (ماسك) مع توليه زمام تويتر - حتى مع غرابة طريقة الإعلان عنها – تبدو مبررة من الناحية الاقتصادية، فتويتر تخسر بالفعل بشكل يومي بسبب نموذج الأعمال فيها، وقد اتفق الكثير في السابق على أن تويتر لم يحقق الأرباح التي توقعها المحللون قبل عدة سنوات. ولذلك فهو بحاجة إلى تغييرات جذرية، تمكنه من الاستمرار بشكل مستدام، ويبدو أن (ماسك) هو الشخص المناسب لاتخاذ هذه القرارات التي تبدو صادمة وراديكالية، فهو قادر على تحمل الحملات التي توجه ضده يوميا في تويتر بسبب هذه القرارات، لا سيما قرار الـ8 دولارات الذي لا يبدو أنه ينوي التراجع عنه.

 

 

نقلا عن الشرق الأوسط