المنشأ التفاعلي للتضخم الداخلي

23/05/2022 1
د.صالح السلطان

في كل دولة، هناك تضخم منشؤه خارجي، ويسمى أحيانا بالتضخم المستورد. وهناك تضخم غير مستورد، بل منشؤه داخلي، ينشأ التضخم الداخلي من جراء تفاعلات بين ثلاثة متغيرات اقتصادية: عرض النقود والإنتاج والفائدة أو بتعبير آخر العائد الذي يدفعه الحاصل على التمويل إلى الممول. وهناك ثلاثة تفسيرات اقتصادية لهذه التفاعلات.

1. هناك من يرون أن عملية التفاعل نفسها هي المسيطرة.

2. وهناك من يرون أن التأثير النقدي هو المسيطر، ويسمون النقديين نسبة إلى تأكيدهم دور ووظيفة النقود. وجذور هذا التفكير في نظرية تسمى النظرية الكمية في النقود والأسعار. Quantity theory of money and prices،

3. وهناك تفكير ثالث يرى أن تأثير العرض "الإنتاج" هو المسيطر، بمعنى أن قلة السلع والخدمات هي العامل الأقوى في نشوء التضخم.

الأولون لا ينكرون أهمية النقود في تقرير معدلات التضخم، لكن النقديون يرون أنها الأهم. وقد حدث تقارب كبير بين وجهات الفريقين منذ أواخر القرن الماضي.

وكل المذاهب إجمالا تدور في إطار وجود اختلال بين العرض والطلب، مع اختلاف في التركيز على مصدر هذا الاختلال.

معنى ووظيفة النقود

شاع استعمال الجمع نقود مقابلا للكلمة ذات الأصل اللاتيني money، التي كانت تعني كل ما تسكه السلطة ليكون وسيلة أو واسطة للتبادل. وحيث إن مادة السك كانت في العادة إما الذهب أو الفضة، فقد اشتهرت تسمية هذين المعدنين بالنقدين.

في العصر الحاضر، أصبحت الكلمة تعني كل وسائل الدفع المستعملة المعترف بها قانونيا للتبادل. ومن هذا المعنى نعرف أن أشهر وأهم وظيفة للنقود أنها وسيلة دفع: نحن ندفع النقود مقابل الحصول على السلع أو الخدمات أو لسداد الالتزامات. ذلك القبول يعطي صفة السيولة.

النقود أكثر من كونها مجرد وسيلة دفع، فهي زيت التشحيم الذي يسهل التبادل. تصور تعقيد الحياة دون وجود النقود. لكن النقود مثلها مثل أي زيت تشحيم، قد تتضرر وتضعف كثيرا فعاليتها، مثلا قد يتهاوى نظام السوق في اقتصاد نقدي، عند حصول تضخم جامح.

وتتصف النقود بالغرابة، فأولا نحن نكد لكسب النقود، لكن كل ورقة نقدية لا قيمة لها بذاتها. وثانيا طبع النقود محصور بالحكومة، لكن إصدار النقود ليس محصورا بها، فالبنوك التجارية تولد نقودا عبر إقراض الودائع في الحسابات البنكية، ثم تعيد البنوك إقراض ما يودعه المقترض من مال في حسابه البنكي وهكذا.

كون التضخم ظاهرة نقدية لا يلغي وجود تأثيرات غير نقدية، لكن تأثيرها مرتبط بزيادة عرض النقود، أو قلة المعروض من السلع مقارنة بكميات النقود المتاحة، ومن ثم ارتفاع الأسعار. بمعنى أن التضخم ذا المنشأ الداخلي لا يحدث إلا بزيادة في كمية النقود أكثر من الإنتاج، ما يوجد اختلالا بين عرض النقود والطلب عليها.

وحول تضخم الجذب الطلبي ذكرت سابقا أن التضخم ينشأ من جراء تفاعلات عرض النقود والإنتاج "العرض". لكن كيف تنشأ تلك التفاعلات؟

هذا موضوع طويل معقد، وما لا يدرك كله لا يترك جله. يميز الاقتصاديون باختصار بين نوعين أو شكلين لتفاعل القوى الاقتصادية، اعتمادا على مصدرها هل هو المشتري أو البائع: الطلب الكلي والتكاليف.

أي إن التضخم قد ينشأ من جراء ارتفاع الطلب الكلي. وهذا الطلب يتناول ما يطلبه المستهلكون "الاستهلاك" والمستثمرون "الاستثمار" والحكومة "الإنفاق الحكومي" والتغيرات في كل أو أحد هذه المكونات.

ربما كان هذا التضخم الطلبي مألوفا لدى الناس أكثر من غيره، ويعني الارتفاع في المستوى العام للأسعار الناتج من فائض أو إفراط في الإنفاق الكلي "الطلب". تضخم الجذب الطلبي معناه "نقود كثيرة مقابل سلع قليلة". هذا يحدث عندما لا يتمكن "أو يرغب" المزودون "أو البائعون" من تلبية كل السلع والخدمات التي يطلبها الطالبون "المشترون"، وفي هذه الحال يجنح البائعون إلى زيادة الأسعار. وبمعنى آخر، ينجذب المستوى العام للأسعار من جراء الضغوط التي يحدثها إنفاق المشترين.

وارتفاع الطلب له أكثر من سبب وسبب، كارتفاع الإنفاق الحكومي، وزيادة عرض النقود، مثلا من جراء زيادة الأجور أو ارتفاع السيولة لدى الناس "بسبب مثلا انخفاض تكلفة التمويل"، أو تمويل عجز الميزانية بإنشاء النقود. هذا التوسع في عرض النقود ينتج تضخما، أو ما يسمى أحيانا "التمويل بالتضخم".

المدافعون عن هذا الأسلوب في التمويل في الدول النامية يرونه لازما لحفز التنمية. ذلك أن التوسع في الإصدار النقدي الجديد يفرض ضريبة على كل من يحتفظ بأرصدة نقدية، وهذا يدفعه إلى التخلص منها، ومن سبل التخلص تحويلها إلى استثمارات حقيقية. وبعبارة أخرى، يرى هؤلاء أن التمويل بالتضخم يحفز التكوين الرأسمالي.

 

نقلا عن الاقتصادية