النفط والدولار

29/03/2022 1
فواز حمد الفواز

الحرب الأوكرانية وتبعاتها في الحظر والعقوبات الصارمة التي فاجأت حتى الروس، كما اعترف وزير الخارجية لافروف، رغم استعدادهم، أعادت الحديث عن دور الدولار ومركزيته. النفط سلعة استراتيجية بأهميتها الاقتصادية، لكن أيضا ماليا بتسعيرها بالدولار، لذلك العلاقة وثيقة، لكن لا يمكن النظر لدور الدولار من منظار تسعير النفط فقط. تحدثت الأخبار عن مناقشات لتسعير النفط بالرنمينبي الصيني بديلا للدولار. هناك سؤالان: الأول، إلى أي درجة هذا ممكن؟ والآخر، هل يخدم الدول المصدرة للنفط؟ للوصول إلى الإجابة عن هذين السؤالين لا بد من مراجعة بعض الأساسيات والحقائق.

من المهم التفريق بين حقيقة أن النفط ومشتقاته تسعر بالدولار، كما يعرف الجميع، مثل برنت وناميكس كمؤشرات، وبين دور الدولار كعملة وسيطة مقبولة للتسويات المالية عالميا. مركزية الدولار بدأت مشاركة مع الجنيه الاسترليني بين الحربين الأولى والثانية، وانتهت بتفرد الدولار بعد الحرب العالمية الثانية. هناك ثلاثة عوامل تشكل القواعد الأساسية لمركزية الدولار. الأول، طبقا لصندوق النقد الدولي IMF Q2/2020 يشكل الدولار نحو 61 في المائة من الاحتياطيات المالية عالميا بفارق كبير، يليه اليورو 20 في المائة، والين 6 في المائة، والجنيه 5 في المائة، والرنمينبي 2 في المائة، والبقية 6 في المائة. تاريخيا، التحول من عملة مركزية إلى أخرى يستغرق عقودا عديدة حتى قرونا أحيانا. لذلك ما زال الطريق أمام الرنمينبي الصيني طويلا. نجاح الاقتصادي الصيني معروف لكن ما زال أصغر من الاقتصاد الأمريكي والمنظومة الأمريكية أيضا مدعومة من الغرب، بينما دائرة النفوذ الصينية محدودة. لدى الصين خطة طويلة الأجل ومنظمة لتعزيز دور عملتها وتأسيس منظومة متكاملة من تحرير النظام المالي، إلى تأسيس مؤسسات ضخمة بديلة، مثل سوق للعقود المستقبلية لتسعير النفط، إلى نظام مدفوعات منافس لـ "سويفت". الثاني، مدى انفتاح وحجم الأسواق المالية، فأكبر سوق وأفضلها سيولة هي سوق السندات الأمريكية، لذلك قابلية الدولار للصرف والتحويل أكثر موثوقية. الثالث، نظام المدفوعات، رغم أنه ربما الأقل أهمية، لكن ما زال مهما. شبكة المصارف العالمية في "سويفت" هي الأكبر عالميا رغم تنامي دور نظام المدفوعات الصيني تدريجيا. لذلك مقارنة سريعة بين الدولار والرنمينبي قياسا على هذه العوامل الثلاثة تجد أن المشوار طويل أمام الرنمينبي ليصبح العملة الرئيسة في العالم. حتى روسيا أسست نظام مدفوعات، لكنه أقل نجاحا لأن الاقتصاد الروسي صغير نسبيا، إذ يشكل نحو 3 في المائة من الاقتصاد العالمي. لذلك طالبت روسيا أخيرا أوروبا بدفع مستحقات الغاز الروسي بالروبل، بهدف تعزيز دور عملتها التي سجلت انخفاضا موجعا من ناحية، وكسر العقوبات المالية من ناحية أخرى. لذلك الإجابة عن السؤال الأول، أنه لن يحدث قريبا على الأقل بالحجم والدرجة المقبولة عالميا لأسباب مؤسساتية وتجارية. العلاقات التجارية مع الصين في نمو وأصبحت مؤثرة، ولذلك في الحالات الصعبة ممكن تخيل منظومة مقايضة، لكنها عادة أقل فعالية وشفافية، ولا يمكن أن تكون الخيار الأول. الإجابة عن السؤال الثاني تعتمد غالبا على الأول، لأن الموضوع مترابط بطبعه. لذلك التسعير بالرنمينبي لن يخدم الدول النفطية، لأن أنماط العلاقات المالية والمؤسساتية المعتمدة على الدولار أوسع، ولن تكون الدول النفطية سباقة إلى التحول لأسباب عدة، منها: نمط العلاقة الاستراتيجية، ومنها أن الصناعة النفطية واستهلاك النفط مركزها لا يزال العالم الغربي وبالتالي الدولار "أمريكا تشكل 5 في المائة من سكان العالم وتستهلك 20 في المائة من النفط. في المقام الأخير"، ما يهم الدول النفطية توافر دخل من الطاقة يستطيع تمويل مشترياتها الدولية، العملة مهمة لكن القدرة أهم.

أكبر خطر يواجه الدولار هو السياسات الأمريكية في المديين المتوسط والبعيد في تآكل الفعالية والقوة الاقتصادية والموثوقية، التي منها التمادي في توظيف الحظر، والعقوبات الاقتصادية التي أصبحت تتكرر بطريقة ترفع درجة الحذر والهواجس من إقحام السياسة الضيقة في الاقتصاد والموثوقية المؤسساتية والمالية.

 

نقلا عن الاقتصادية