الأصول أفضل من السندات الأميركية

31/12/2021 7
عبدالله الجعيثن

قبل تصحيح وضع الصرافين كتبت في الرياض مند37 عاما عن غرابة منح الصرافين سجلًا يجمع بين (الصرافة والتجارة).. وقتها كان المودعون يفضلون الصرافين على البنوك ويودعون لديهم ما مجموعه ألوف الملايين، وقلت يجوز إذن للصراف أن يشتري عقارات وأراضي الناس بالودائع التي لديه وإذا أعطاهم عنها شيكات أعاد كثيرا منهم تلك الشيكات إليه، كما أن الصراف يستطيع السيطرة على بعض مفاصل التجارة لكثرة الودائع لديه، فضلًا عن تمتع الصرافين بفوائد تلك النقود والتي وصلت في بعض السنوات إلى 20% والمودعون لا يأخذون فوائد وقتها ولو سميت مرابحة، بل يعتبرون الصرافين أصحاب المعروف في قبول ودائعهم! وكنت أرى بعيني مسنين يحملون الخياش المملؤة بالنقود في طابور طويل في انتظار تكرم الصراف بقبول الودائع!

ذلك الوضع تم تصحيحه لدينا من زمن طويل ، لكن الغريب أن الوضع العالمي يشبه تلك الحال الشديدة الغرابة والسيطرة والتشويه، فالولايات المتحدة الأمريكية هي (بنك العالم) كله من عشرات السنين ودولارها هو (مخزن ثروات الأمم) وسر السيطرة على الاقتصاد العالمي.. وبسطوة الدولار يعيش الشعب الأمريكي في بذخ ورفاهية ونمو واستهلاك مفرط ضعف انتاجه، مع أنه شعب منتج أيضًا، وذلك الإسراف مقابل تقشف شديد لدى شعوب اليابان والهند والصين وغيرها وهؤلاء مودعون ثرواتهم لدى أمريكا تفعل بها ما تشاء، جزء هائل منها تحتفظ به البنوك المركزية خارج أمريكا بالدولار وجزء أكبر تحت اسم السندات الأميركية بعائد أقل من ربع التضخم ، وأمريكا مرتاحة على الآخر تصرف ما تشاء وتصدر من التيسير الكمي ما تريد وتستطيع تسديد من يطلب بمزيد من التيسير ، أي بمجرد ورق مقابل بضائع وسلع وخدمات ، مع أن المودعين أضعاف الساحبين !

والتجارة العالمية والتحويلات تمر عبر دولارها الرابح في كل الأحوال حتى وهو نائم..

ترليونات وضعتها الصين واليابان والهند والدول النامية في خزائن أمريكا بشكل مباشر وغير مباشر ، والشعب الأمريكي يستهلك بشراهة بضائع تلك الدول ويعطيهم دولارات تعود إليه مرة أخرى! ومع ذلك فالدولار يرتفع مقابل عملات الدول النامية ومعه البطالة والتضخم !

مذ أُلغيت قاعدة الذهب المغطي للدولار والسيد الدولار يتسيد ساحة العالم ويستطيع أن يتمدد كما يشاء ويصدر من ترليونات التيسير الكمي ما يريد أليست الحكاية ببساطة شيكات بلا رصيد ؟

يستطيع الدولار بهذا الضحك على اقتصاد العالم وعملاته إلا الذهب يحاول المقاومة ، وبمقارنة سعر الذهب حين كان يغطي الدولار بسعره الآن يتضح مقدار الاستغلال.. حتى الاستهلاك المسرف لدى الشعب الأميركي صار ميزة وقوة تفاوض! يستهلكون سلع العالم بأمواله ويمنُّون عليه! ويستخدمون سلاح الفائض التجاري! كأنهم الذي أطعم جحا من ثور جحا بفلوس وبمعروف في وقت واحد!

ولا لوم على الصرافين في ذلك الزمان ولاعلى أمريكا وشعبها فمن حق الجميع البحث عن مصالحهم بكل الطرق النظامية المتاحة ، اللوم على نموذج الحياة في اليابان والهند والصين، وكثير من الدول النامية ، ذلك النموذج المعتمد على التقشف والتلهف على زيادة صادرات السلع والخدمات لأمريكا مع تلريونات النقود ، فلو صرفت هذه الترليونات على مشاريع داخلية واستثمارات في الأوطان لزاد استهلاك شعوبها ورفاهيتها تبعًا لما توفره تلك المشاريع والاستثمارات من فرص عمل لاحدود لها مع تحسن الأجور وجودة الحياة وتقدم البحوث والابتكارات التي لأمريكا منها نصيب الأسد الآن ، بسبب تدفق الأموال الأجنبية على خزائنها وهجرة العقول الممتازة إليها تبعًا لذلك..

الدروس المستفادة من هذا هي أن بناء الدول لبلدانها ودفع تنميتها إلى الأمام وتحويل ثرواتها إلى أصول باقية في بلدانها تدر الدخل الحقيقي وتوفر فرص العمل وتزيد العرض ذلك أجدى وأبقى من تحويل ثرواتها إلى ورق دولاري تطبع منه أمريكا ما تريد فيتناقص مع التضخم ، وقد يذهب مع الريح..


نقلا عن الرياض