عصرنة نظام الموازنة العامة كآلية لتعزيز الضبط المالي في المملكة العربية السعودية

21/05/2026 0
د. رافع محمد

يهدف هذا المقال إلى تحليل أثر عصرنة نظام الموازنة العامة في تعزيز الضبط المالي على مستوى المملكة العربية السعودية على ضوء الإصلاحات الهيكلية، التي أطلقتها من خلال "رؤية السعودية 2030" الطموحة. يستعرض المقال تطور فلسفة إعداد الموازنة من نظام البنود التقليدي إلى ميزانية البرامج والأداء، مع تعزيز مبادئ الحوكمة، والتخطيط المالي متوسط المدى، كما يُحلل تطور العجز الموازني خلال الفترة    2018-2026، مؤكداً أن الإصلاح الميزانياتي أسهم في إدارة العجز وذلك ضمن إطار الاستدامة المالية، ودعم كفاءة تخصيص الموارد.

تُعدّ الموازنة العامة للدولة أداة محورية في تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وقد أولت المملكة العربية السعودية أهمية متزايدة لتطويرها بما ينسجم مع متطلبات التنمية والتحولات الاقتصادية، وقبل انطلاق رؤية المملكة 2030 الطموحة كانت المالية العامة تتأثّر بطبيعة الاقتصاد النفطي، وهو ما استدعى تعزيز كفاءة إدارة الموارد، وتنويع أدوات التخطيط المالي.

وفي هذا الإطار اعتمدت المملكة لسنوات الموازنة القائمة على أساس البنود، التي شكّلت في حينها إطاراً مناسباً لضبط الإنفاق، غير أن التحولات الاقتصادية، واتساع حجم المشاريع الاستراتيجية استوجبت الانتقال التدريجي نحو ميزانية البرامج والأداء، بما يتيح ملاءمة أفضل بين الاعتمادات المالية وبين أهداف التنمية.

وانطلاقاً من هذا التطور التاريخي، برزت الحاجة إلى بلورة إصلاحات هيكلية أكثر عمقاً، تجسّدت في عصرنة نظام الموازنة العامة، ضمن إطار رؤية المملكة 2030.

مرتكزات عصرنة نظام الموازنة العامة في المملكة العربية السعودية 

في إطار رؤية 2030 عملت المملكة العربية السعودية على تحديث نظام الموازنة العامة باعتباره أحد الأدوات الرئيسية لتنفيذ برامج التحوّل الاقتصادي والمالي، وقد تجسّد هذا التوجه من خلال تعزيز اعتماد ميزانية البرامج والأداء، بما يسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين تخصيص وتوجيه الموارد المالية نحو البرامج والمشاريع ذات الأولوية، وربط الاعتمادات المالية بالأهداف الاستراتيجية والنتائج المتوقعة.

كما رافق هذا التحوّل تكريس مبادئ حوكمة الموازنة العامة، ولاسيما ما تعلق بتأكيد الشفافية، وترشيد الإنفاق، وتفعيل آليات المساءلة والرقابة المالية، بما يعزز دور الموازنة العامة كأداة استراتيجية لدعم الضبط المالي، وتحقيق الاستدامة المالية، وكذلك تحسين مرتبة المملكة على مستوى المؤشّرات العالمية للتسيير المالي على غرار مؤشّر الموازنة المفتوحة OBI وإطار تقييم الإنفاق العام، والمساءلة المالية PEFA  بالإضافة على مؤشّرات الحوكمة العالمية WGI.

وتتجسّد مرتكزات عصرنة نظام الموازنة العامة للمملكة وفقاً لرؤية 2030، حسب الشكل التالي:

المصدر: من إعداد الباحث، بالاعتماد على الموقع الرسمي لوزارة المالية -المملكة العربية السعودية
 
تأتي هذه المبادئ لتصبغ على الموازنة العامة دعم فاعلية التصرف العمومي، وتأمين جودة الخدمات المسداة، بالإضافة إلى تحسين النجاعة الاقتصادية والاجتماعية للبرامج المسطرة من طرف الحكومة.
كما أسهمت إصلاحات الموازنة العامة في تعزيز منهجية التخطيط المالي متوسط المدى، من خلال إعداد تقديرات مستقبلية للإيرادات، والنفقات تمتد لعدة سنوات، بما يسمح بتوقع مسار العجز، والتحكم في تطوره ضمن إطار استراتيجي مُستدام، ويعد هذا التحول عنصراً جوهرياً في دعم الاستقرار المالي، إذ ينقل إدارة الموازنة من منطق سنوي تقليدي إلى رؤية تخطيطية أكثر تكاملاً ومرونة.
تحليل عجز الموازنة في المملكة العربية السعودية ما بين 2018-2026
يقصد بالضبط المالي ألا يتجاوز الإنفاق العمومي مستوى معيناً، أو ألا يتجاوز نسبة محددة من العجز الموازني، وهو مصطلح يضم التحكم في الإنفاق وترشيده، بالإضافة إلى الرفع من نجاعة البرامج المُنفقِ عليها، وتعزيز الكفاءة في إدارة النفقات، وذلك ضمن الاستدامة المالية، بالإضافة إلى تحسين شفافية استخدام الموارد، وكذا تقليص العجز الموازني والتحكم في نسبته، وسنوضح من خلال الشكل التالي تطور العجز الموازني للمملكة خلال الفترة ما بين 2018-2026.
المصدر: من إعداد الباحث، بالاعتماد على الموقع الرسمي لوزارة المالية -المملكة العربية السعودية
 
تعكس بيانات الفترة ما بين 2018-2026، مساراً ديناميكياً لإدارة المالية العامة في المملكة العربية السعودية، يُبرز أثر الإصلاح الميزانياتي في تعزيز الضبط المالي، وتحسين كفاءة السياسة المالية، فقد سجل عام 2018 عجزًا يقارب 142 مليار ريال، في سياق استمرار حساسية السياسات العمومية المالية للتقلبات النفطية، قبل أن يتراجع العجز في 2019 نحو 132 مليار ريال، نتيجة لتحسن الإيرادات وتنامي كفاءة إدارة الموارد، بينما في عام 2020 ارتفع العجز إلى حوالي 294 مليار ريال بفعل الصدمة الاقتصادية العالمية الناتجة عن جائحة كورونا، وهو ما شكّل اختباراً حقيقياً لمرونة النظام المالي.
غير أن عام 2021، شهد انخفاض العجز نحو 74 مليار ريال، بما يعكس قدرة السياسة المالية على امتصاص الصدمات، واستعادة التوازن التدريجي، ويعد عام 2022 نقطة تحول مهمة بتحقيق فائض قدره 104 مليارات ريال، مدعوماً بارتفاع الإيرادات النفطية، وظهور بوادر الإصلاح الميزانياتي وفقاً لرؤية المملكة 2030، بالإضافة إلى كفاءة التحصيل وسياسة الإنفاق القائمة على ملائمة الأهداف والبرامج.
أما بالنسبة لسنتي 2023و 2024، فقد عاد العجز إلى حدود 81 و116 مليار ريال، على التوالي، في إطار سياسة مالية توسعية موجهة لتمويل المشاريع الاستراتيجية، بينما ارتفع في 2025 إلى 245 مليار ريال، نتيجة استمرار الإنفاق التنموي المرتبط ببرامج التحوّل الاقتصادي، قبل أن تشير تقديرات 2026 إلى انخفاضه نحو 166 مليار ريال، بما يعكس توجهاً نحو إدارة العجز ضمن إطار الاستدامة المالية متوسط المدى.
ويؤكّد هذا المسار أن الإصلاح الميزانياتي لم يهدف إلى القضاء على العجز بقدر ما يسعى إلى حوكمة الموازنة العامة للدولة، على غرار ترشيد الإنفاق العام، والرفع من كفاءته، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية، وترسيخ الضبط المالي.
تأتي هذه المبادئ لتصبغ على الموازنة العامة دعم فاعلية التصرف العمومي، وتأمين جودة الخدمات المسداة، بالإضافة إلى تحسين النجاعة الاقتصادية والاجتماعية للبرامج المسطرة من طرف الحكومة.
مسار عصرنة نظام الموازنة العامة في المملكة العربية السعودية
رغم التقدم الملحوظ الذي حققته المملكة العربية السعودية في مسار عصرنة نظام الموازنة العامة في إطار رؤية المملكة 2030، فإن هذا التحول الهيكلي يرتبط بعدد من التحديات الموضوعية التي تفرضها طبيعة التحولات الاقتصادية والمؤسسية، حيث يمكن إبرازها فيما يلي:
1.التقلبات الاقتصادية العالمية: لا تزال المالية العامة تتأثّر بدرجة معينة بالتقلبات في أسواق الطاقة والظروف الاقتصادية الدولية، بما في ذلك تغيّرات أسعار النفط، والضغوط التضخمية العالمية، لذلك يستوجب اعتماد سياسات مالية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات، وضمان استقرار الإيرادات والنفقات على مستوى المدى المتوسط.
2. استدامة التوازن المالي: يتطلب تمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي، وبين الحفاظ على مستويات عجز ودين عام ضمن حدود آمنة، حيث يعد الحفاظ على هذا التوازن عنصراً محورياً في ترسيخ الاستدامة المالية، وتعزيز الثقة في إدارة المالية العامة.
3.التحوّل الرقمي والجاهزية التقنية: يرتبط تحديث نظام الموازنة العامة بالانتقال إلى أنظمة مالية رقمية متقدمة، بما يتطلب تطور البنية التحتية التقنية، وتعزيز أمن المعلومات، وبناء قدرات تحليل البيانات، ويشكّل تكامل الأنظمة الرقمية عنصراً أساسياً في تحسين جودة التقارير المالية، ودعم اتخاذ القرار.
4. تطوير مؤشّرات الأداء وقياس الأثر: تعتمد ميزانية البرامج والأداء على وجود مؤشّرات دقيقة لقياس النتائج والمخرجات، ويعد تحسين أدوات المتابعة والتقييم، وضمان جودة البيانات المالية أحد المتطلبات الأساسية لتعزيز فعالية الإنفاق العام، وتحقيق أهداف البرامج الحكومية.
5. التنسيق المؤسسي بين الجهات الحكومية: يتطلب تطبيق ميزانية البرامج والأداء مستوى عالياً من التنسيق بين الوزارات والهيئات الحكومية لضمان تكامل الخطط، وتجنب ازدواجية البرامج، ويسهم ترسيخ الحوكمة المؤسسية في تحقيق انسجام أكبر بين الأهداف الاستراتيجية والاعتمادات المالية.
6. إدارة التغيير وتعزيز ثقافة الأداء: يشكّل التحوّل من النمط التقليدي لإعداد الموازنة إلى موازنة قائمة على النتائج مساراً تدريجياً يستدعي ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على الكفاءة والإنجاز، ويُعد الاستثمار في تطوير الكفاءات الإدارية والمالية عنصراً حاسماً لضمان استدامة الإصلاحات الميزانياتية.
تحليل الأداء الفعلي للميزانية العامة للمملكة العربية السعودية (2024-2025)
المصدر: من إعداد الباحث، بالاعتماد على تقرير الربع الرابع 1446-1447ه لأداء الميزانية.
 
من خلال منحنى اتجاه الأداء الميزانياتي، كما هو ظاهر في الشكل أعلاه، واستنادً على البيانات الفعلية للتقرير الربعي 2025، بلغ العجز نحو 276.6 مليار ريال نتيجة تراجع الإيرادات إلى 1.112 مليار ريال مقابل مصروفات قدرها 1.388 مليار ريال، غير أن تسارع العجز يعكس توجهًا ماليًا داعمًا للاستثمار في المشاريع الاستراتيجية وبرامج التحول الاقتصادي، مع توقع أن تُسهم هذه النفقات في توليد عوائد مستقبلية وتعزيز النمو والاستدامة المالية على المدى المتوسط والطويل، تماشيًا مع رؤية المملكة.
ختاماً، يتضح من خلال ما سبق أن عصرنة نظام الموازنة العامة في المملكة العربية السعودية تمثّل تحولاً هيكلياً في فلسفة إدارة المالية العامة، حيث انتقلت الموازنة من أداة تقليدية لتوزيع الاعتمادات إلى أداة استراتيجية قائمة على الأداء والنتائج، وقد أسهمت هذه الإصلاحات في تعزيز الضبط المالي، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، وإدارة العجز ضمن إطار الاستدامة المالية على المدى المتوسط، ويعكس هذا المسار نجاعة الحوكمة المالية في دعم متانة الاقتصاد الوطني، وترسيخ أسس انضباط مالي يتماشى مع مستهدفات ورؤية المملكة العربية السعودية 2030 الطموحة.
 
 
المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد شوال 1447 هـ - مارس 2026.