المرحلة الثانية لرسوم الأراضي البيضاء

20/12/2021 2
عبد الحميد العمري

أعلن برنامج رسوم الأراضي البيضاء في منتصف الشهر الجاري، بدء تطبيق المرحلة الثانية من نظام الرسوم في مدينة الرياض، ودعا ملاك الأراضي إلى المبادرة بتسجيل أراضيهم خلال ستة أشهر من تاريخ الإعلان "قبل 15 حزيران (يونيو) 2022"، للأراضي المطورة التي تبلغ مساحتها عشرة آلاف متر مربع فأكثر، والأراضي المطورة لمالك واحد التي يبلغ مجموع مساحاتها عشرة آلاف متر مربع فأكثر في مخطط معتمد واحد، إضافة إلى الأراضي الخام التي تبلغ مساحتها عشرة آلاف متر مربع فأكثر ضمن النطاق المحدث لمدينة الرياض ولم يسبق تسجيلها، حيث سيستمر العمل بتطبيق المرحلة الأولى من النظام بالتزامن مع تطبيق المرحلة الثانية التي تم إعلان البدء بها منتصف هذا الشهر.

خطوة أخرى جيدة - وإن تأخرت عدة أعوام - على طريق إصلاح تشوهات السوق العقارية، ستسهم في مزيد من تحقق المستهدفات الرئيسة للنظام حسبما ورد في المادة الثانية منه: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية.

يؤمل أن تدفع نحو انحسار عديد من أشكال اكتناز واحتكار الأراضي داخل المدن، التي تسبب وجودها إضافة إلى تزايد تعاملات المضاربة على الأراضي في التضخم الكبير لأسعارها وارتفاع تكلفة تملك المساكن بصورة فاقت كثيرا قدرة ودخل أغلب الأفراد والأسر، مع الإشارة هنا إلى أنه في الوقت الذي شهدت خلاله أشكال الاحتكار والاكتناز إقرار نظام الرسوم على الأراضي للتصدي لها، فإن تعاملات المضاربة المحمومة على الأراضي لم يتم بعد إقرار ما يحد منها ويحاصرها حتى تاريخه، وهو الأمر الذي لا تقل أهميته القصوى على طريق تطوير السوق العقارية، وتحسين كفاءتها بما يخدم الاقتصاد الوطني، ويلبي احتياجات المجتمع والقطاع الخاص وفق أسعار عادلة للأراضي، وبعيدا عن التضخم الكبير في مستوياتها السوقية، الذي تسبب وجوده في مزيد من التحديات المعيشية والإنتاجية على كاهل كل من أفراد المجتمع ومنشآت القطاع الخاص على حد سواء.

تساءل كثيرون عن نتائج وجدوى المرحلة الأولى من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وكيف أن أسعار الأراضي شهدت ارتفاعات أكبر مما سبق تلك المرحلة، وهو تساؤل في محله، ويقف خلفه كثير من الإثباتات على أرض الواقع، وهو أيضا ما سبق الحديث عنه مطولا طوال الأعوام القليلة الماضية، يمكن تلخيصها سريعا في عدد من الأسباب التالية، يتقدمها دخول عامل ضخ القروض العقارية بصورة غير مسبوقة على السوق، خاصة منذ بداية 2019 وناهزت 346.1 مليار ريال حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وهو ما يشكل نحو 97.5 في المائة من إجمالي قيمة صفقات القطاع السكني خلال الفترة نفسها الذي أسهم بدوره في رفع قياسي وسريع جدا لقوى الطلب، مقابل عدم اكتمال معالجة تشوهات جانب العرض، عدا بطء تقدم خطوات ما بدأ العمل به من أدوات المعالجة "المرحلة الأولى من نظام الرسوم"، إضافة إلى ضآلة تأثيرها الناتج عن ضعف آلية تقييم أسعار الأراضي، وسبق توضيحه سابقا في أكثر من مقال، وأهمية المبادرة برفع كفاءته وفعاليته، بالعمل على اعتماد احتساب تكلفة رسم الأرض بناء على سعرها السوقي "وفق التقييم المعتمد من الجهات المرخصة"، لا بناء على المنهجية الراهنة التي تعتمد على توافر الخدمات والبنى التحتية للأرض، وهي العوامل التي لا تشكل وزنا كبيرا في السعر السوقي الراهن، ويعد الفارق بين السعرين كبيرا جدا، فقد تجد أرضا خاما "مساحة مليون متر مربع كمثال" يصل السعر سوقيا لمترها المربع إلى نحو ألف ريال للمتر المربع "ستصل تكلفة الرسم وفق هذه المنهجية المطلوبة إلى 25 مليون ريال"، وقد لا يقبل المالك البيع به بحثا عن أعلى منه، في الوقت ذاته قد تأتي نتيجة تطبيق المنهجية الراهنة لاحتساب الرسم الواجب الدفع باعتبار السعر مساويا لـ 50 ريالا للمتر المربع، على سبيل المثال، وبناء عليه يتم احتساب تكلفة الرسم "لا تتجاوز 1.25 مليون ريال، وفق المثال هنا".

أمام ما تقدم ذكره سريعا من أهم الأسباب والعوامل التي دفعت بمزيد من تضخم أسعار الأراضي، وما تبعه من ارتفاع لأسعار الوحدات والمنتجات السكنية عموما، وجد ملاك الأراضي فرصا أكبر وأوسع لرفع الأسعار بمعدلات قياسية طوال الأعوام الثلاثة الأخيرة، في الوقت ذاته الذي لم تعد تكلفة تحمل رسوم الأراضي تشكل أي عبء على الملاك مقابل رالي ارتفاع الأسعار سوقيا، وفي ظل احتساب تكلفة الرسوم بعيدا عن أسعار السوق.

يضاف إلى ما تقدم ما تتمتع به تعاملات المضاربة على الأراضي من مرونة واسعة جدا، بدءا من التأثير الإيجابي في الأسعار نتيجة التدفق القياسي للقروض العقارية على السوق، واستفادتها من تدني معدل الضريبة على تعاملاتها "التصرفات العقارية"، وغياب أي رسوم أو ضرائب أخرى على تلك المعاملات التي لا تخدم ولا تفيد إلا من يقوم بها، في الوقت ذاته الذي يتحمل أعباءها وآثارها شرائح واسعة جدا من الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص وأفراد المجتمع.

يأتي التأكيد على هذه الجوانب المحورية بالتزامن مع إعلان بدء المرحلة الثانية من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، لأهمية معالجتها مبكرا، ووضع التدابير والحلول اللازمة لها، منعا لتكرار ما حدث خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وإيقافا لمزيد من الارتفاع والتضخم المحتمل في أسعار الأراضي، وأهمية العمل على أن يتم تمهيد السبل أمام تحقق مستهدفات إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وإن أهم ما يجب معالجته فورا في هذا السياق أن تتم معالجة آلية تقييم أسعار الأراضي التي تمثل وعاء تسلم الرسوم عليها، والمبادرة بوضع الإجراءات والتدابير الكفيلة بمحاربة مختلف أشكال المضاربة على الأراضي، وحماية الاقتصاد الوطني والمجتمع من آثارها السلبية.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية