موظفو اقتصاد العربة

15/12/2021 0
د. عبدالله الردادي

يعرف اقتصاد العربة بأنه الاقتصاد الذي يستند إلى منصات رقمية تربط بين الموظفين والعملاء لتقديم خدمات أو مشاركة أصول. ويمكن تقسيمه إلى أربعة أنواع، الأول يُعنى بمشاركة الأصول وأقرب مثال عليه منصة (إير بي إن بي) التي تمكن ملاك العقارات من تأجير عقاراتهم، والثاني والأكثر شيوعا يعنى بخدمات التوصيل، سواء كانت سيارات أجرة أو توصيل الأغذية ويشكل نحو 60 في المائة من حجم هذا الاقتصاد، ويُعنى الثالث بتقديم الخدمات الاحترافية، مثل الخدمات الاستشارية والبرمجة وغيرها، أما الرابع فيُعنى بتقديم المنتجات والخدمات المنزلية مثل الأعمال اليدوية والاعتناء بالأطفال وغير ذلك. وفيما عرف العالم اقتصاد العربة بشكل شائع منذ أكثر من عقد، إلا أن حجم هذا الاقتصاد في تزايد جعل العديد من الحكومات تناقش إعادة النظر في تشريعاته.

وتزايد حجم اقتصاد العربة غير خافٍ، حتى أصبح جزءا من الحياة اليومية، وحلاً يوفر للأفراد والشركات الخدمات بشكل يسير. وبلغ حجم هذا الاقتصاد نحو 300 مليار دولار في 2020، ويتوقع أن يزيد إلى ما يقارب 450 مليار دولار في 2023. وقد زاد عدد العاملين في هذا الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، فعلى سبيل المثال، في عام 2016 كان واحد من كل عشرين موظفا في بريطانيا يعمل في اقتصاد العربة، وتضاعف هذا الرقم 3 مرات بحلول عام 2020. وتشير التوقعات إلى أن العديد من الشركات بدأت تعتمد بالفعل على الخدمات التي تقدمها هذه التطبيقات مثل البرمجة والاستشارات القانونية وغير ذلك، وهو ما يؤكد أن حجم هذا الاقتصاد ما زال قابلا للزيادة. وفي دول الاتحاد الأوروبي يعمل نحو 28 عاملاً في نحو 500 منصة رقمية، ويتوقع أن يزيد هذا الرقم ليصل إلى 43 مليونًا في عام 2025.

ووصف من يعملون في هذا التطبيقات بأنهم (عمال) هو وصف يتناسب مع وضعهم القانوني، فهم ليسوا موظفين، ولا يمتلكون حقوق الموظفين كنظام التقاعد والإجازات والتأمين الطبي وغيرها من الحقوق القانونية للموظفين. ولهذا السبب تقدمت المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي بمقترح يمكن من إعطاء العاملين في هذه التطبيقات حقوق الموظفين بما في ذلك الحد الأدنى من الأجور والحماية القانونية لهم. تطبيق هذا المقترح قد يشكل تحولا كبيرا في شكل اقتصاد العربة الذي يقوم على استقلالية العاملين فيه عن التطبيقات.

من ناحية، فإن إعطاء العاملين في هذه التطبيقات حقوق الموظفين فيه شكل من العدالة الاجتماعية، فنسبة لا يستهان بها من العاملين فيها يعتمدون عليها لتأمين معاشهم، وعدم توفير حقوق قانونية لهم – وأهمها نظام التقاعد – قد يشكل عبئا اجتماعيا بعد سنوات من الآن. كما أن بعض هذه التطبيقات تطالب العاملين بلبس لباس موحد، أو بأسلوب تعامل محدد مع العملاء، أو غيرها من المطالبات التي عادة ما تطلبها الشركات من موظفيها، وهي كذلك تعطيهم ميزات مادية في حال تحسن الأداء، وتحرمهم من هذه المزايا عند انخفاض الأداء أو سوء التقييم. إذن هي تعاملهم بصفتهم موظفين، فلمَ لا تعطيهم حقوق الموظفين إن كانت تعاملهم كأنهم كذلك؟

أما من الناحية الأخرى، فإن مفهوم اقتصاد العربة يتمحور حول حرية العاملين فيه، وإتاحة الفرصة لالتقاء العرض والطلب من أصحاب المهن أو الأصول من ناحية والعملاء من ناحية أخرى بالتزامات قانونية أقل تتيح مرونة لجميع الأطراف. هذه المرونة تقلل من التكلفة الإجمالية مما يجعل أسعار الخدمات في اقتصاد العربة أقل من مثيله التقليدي وهو ما يجعل إقبال العملاء عليه أكثر، ولا مثال على ذلك أوضح من أسعار سيارات الأجرة التي تزيد في سيارات الأجرة التقليدية على مثيلاتها في التطبيقات. فرض أنظمة – كمقترح المفوضية الأوروبية – سيزيد تكلفة هذه الخدمات بلا شك، وسيفقد العاملين في التطبيقات مرونة العمل في أوقات فراغهم، فالشركات ستطالبهم بحد أدنى من العمل في حال توجب عليها إعطاء حد أدنى من الأجور.

إن حقوق الموظفين مهمة من جوانب عدة لا سيما من الجانب الاجتماعي، وقد كان أصحاب العمل الحر – كالعاملين في التطبيقات – أكثر المتأثرين أثناء الإغلاق في الجائحة. وقد لا يرى الكثير أهمية إعطاء العاملين في التطبيقات حقوقا كحقوق الموظفين في الوقت الحالي، ولكن معدل ازدياد العاملين في هذه التطبيقات يعني أنهم قد يشكلون نسبة كبيرة من القوى العاملة في المستقبل، وبقاء هذه النسبة دون حقوق تكفل لهم رغد العيش كالتقاعد والتأمين الطبي وغيرها يعني أن الحكومات قد تجد نفسها بعد سنوات أمام عدد كبير ممن تجاوزوا سن العمل دون مصدر دخل يؤمن له عيشة كريمة. ولذلك فإن إيجاد هذه الحقوق لهم – بما يكفل توازن السوق – لهو ضرورة اجتماعية وفيه مصلحة للحكومات، وقد لا يكون الحل بضمهم إلى نفس أنظمة الموظفين بدوام كامل، بل قد يكون في إيجاد تصنيف جديد لهم، تماما كما فعلت بريطانيا.

 

نقلا عن الشرق الأوسط