السياسات الحكومية وعودة الانتعاش الاقتصادي

04/10/2021 1
د.صالح السلطان

صدر قبل أيام البيان التمهيدي للميزانية العامة السعودية في العام المالي المقبل. ومما احتواه البيان توقع نمو اقتصادي في الأعوام الثلاثة المقبلة، وخاصة في العام المقبل، فهو النمو الأكبر على مدى أعوام. أما العام الماضي فقد شهدنا محليا وعالميا انكماشا بسبب الجائحة. طبعا تقف وراء عودة النمو الاقتصادي ومستواها في أي دولة عوامل، من أهمها طبيعة السياسات الحكومية أي العامة. وطبعا كلها بعد توفيق الله.

يمكن للسياسات العامة "الحكومية" في أي دولة أن تعمل على دعم النمو أو عودته بعد كوارث كبيرة، أو تقليل آثارها في حال أن الكوارث ما زالت قوية. وما تحققه تلك السياسات تابع لعوامل على رأسها مستوى جودتها. والسياسات تعبير واسع يدخل فيه كل القرارات والتنظيمات والإجراءات الحكومية الحاكمة لعوامل الإنتاج والتصرفات والأنشطة الاقتصادية عامة.

زادت أهمية تعافي الاقتصاد مع الجائحة، واكتسبت طابعا جديدا نسبيا مع التطورات العالمية التقنية. مثلا هناك جدال في فهم تأثير ما يسمى الذكاء الاصطناعي في جوانب وقطاعات؛ كالتشغيل والتوظيف والتمويل والتأمين. وهذا يتطلب من ضمن ما يتطلب جودة فهم للموظفين الحكوميين المعنيين بالأمر. وتحقيق هذه الجودة ليس بتوافر علم نظري فقط، بل أيضا بتوافر علم عملي جيد في الأمر، وخاصة آثار ومخاطر ذلك الذكاء. لكن أكثرية موظفي الحكومات المعنيين بالأمر يفتقرون إلى هذه المعرفة الجيدة.

ارتبط بذهن كثيرين أن تحقيق الانتعاش الاقتصادي في الدول النفطية، مثل المملكة، مرتبط بزيادة الدخل من النفط. لكن من المؤكد أنه من الممكن تحقيقه دون شدة اعتماد على إيرادات النفط. وإن كان هذا لا ينفي كونها وسيلة لتعجيل الانتعاش. كما أن العكس صحيح فيمكن أن تكون وسيلة في تثبيطه. ذلك أن هناك عدة أسباب أو عوامل لتحقيق أو تثبيط النمو.

على المدى الطويل هناك ثلاثة عوامل أساسية لا يمكن أن يكون هناك إنتاج من دونها: رأس المال البشري، ورأس المال المادي، والتقنية بمعناها الأشمل الذي يندرج تحته أي مستوى تقني سائد. وحيث إن النمو أو الانتعاش الاقتصادي يقاس بنمو الإنتاج، فإن تحسين كل أو أحد عوامل الإنتاج الثلاثة كما و/أو كيفا بما يؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي.

كيف للسياسات العامة في أي دولة أن ترفع إنتاجية رأس المال البشري أي إنتاجية الفرد؟

عبر تحقيق مستهدفات أهمها: زيادة الشعور بالعدل والإنصاف في المعاملة ــ تحسين مستوى التعليم أو رفع درجة جودته ــ رفع مستوى الانضباط السلوكي في المجتمع سواء في العمل أو خارج العمل ــ رفع مستوى التوفير أو الادخار ــ تيسير الأنظمة الحكومية المتصلة ــ تبني سياسات تزيد من نسبة المحتوى المحلي.

وهنا خلاصة بطرق مختارة للسياسات الحكومية:

الحد من المخاطر المالية: على سبيل المثال، الحد من تفاقم المديونيات. وقد بلغت مستويات مرتفعة جدا على المستوى العالمي. ولها آثار كبيرة كتب عنها الكثير. وبلادنا - بحمد الله - بعيدة عن هذه المستويات. ومما ساعد على ذلك تبني هوامش أمان في المالية العامة.

الإصلاحات الاقتصادية: في جوانب وأسواق عديدة كسوق العمل. هذه الإصلاحات تزيد الإنتاجية والنمو. وللظروف تأثير في فعالية وسهولة تحقيق الإصلاحات.

الإصلاحات والشمول الاجتماعي: كون الإصلاحات مشجعة على ثقافة اجتماعية أكثر إنتاجية، وتشمل جميع فئات المجتمع قدر ما يمكن.

تشجيع العلم التطبيقي والتدريب خلال العمل: بينت دراسات أنه أكثر فعالية من مجرد علم نظري بحت. وتزيد الأهمية في بلادنا بالنظر إلى قوة اعتمادنا على الاستقدام خلال عشرات الأعوام.

وتزيد أهمية ما سبق مع التطورات التقنية السريعة على المستوى العالمي. ودور الجهات الحكومية في ضبط الأمور تحت هذه التطورات موضوع معقد.

وأختم المقال بالإشارة إلى جانب السياسات الحكومية الداعمة للتعاون الدولي.

التطورات التقنية في مجال العملات وانتشار ما سمي العملات الرقمية يزيد من أهمية التعاون الدولي المبني على فهم جيد للموضوع.

وبلادنا - بحمد الله - سباقة في أمر التعاون الدولي. فقد قادت خلال رئاستها "مجموعة العشرين"، العام الماضي إبان قمة كارثة كورونا؛ قادت برنامجا ماليا طموحا لـ"مجموعة العشرين" يستهدف تخفيف أضرار الجائحة. فلله الحمد ونسأله التوفيق.

 

 

نقلا عن الاقتصادية