الحلول المتاحة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية

28/06/2021 3
عبد الحميد العمري

جاءت عملية الدمج الأخيرة للمؤسسة العامة للتقاعد في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ترجمة وامتدادا لبرامج الإصلاح والهيكلة الإدارية المنطلقة أسسها من رؤية المملكة 2030، وتحقيقا لمستهدفاتها النهائية التي سينتج عنها - بمشيئة الله تعالى - تعزيز أكبر للمركز المالي للصندوق التقاعدي بهيكلته الجديدة، وبما يؤمل أن يسهم في تعظيم عوائده الاستثمارية، وفق استراتيجية استثمارية أعلى كفاءة مما كانت عليه سابقا.

تعليقا على الحديث القائم الآن حول العجز المحتمل للصندوق التقاعدي بين مصروفاته "معاشات التقاعد" من جهة، ومن جهة أخرى متحصلاته من الاشتراكات المحصلة، وهو الأمر القائم منذ عدة أعوام بالنسبة للمؤسسة العامة للتقاعد التي تمثل عملية الدمج الأخيرة أحد أهم الحلول التي اتخاذها لتجاوزها، التي سرعان ما بدأ بعدها الحديث عن احتمال اتساع العجز مستقبلا الذي لا تعانيه المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية الآن، وانصب الحديث ضمن كثير من المحاور أو الأسباب التي تقف خلف العجز على ارتفاع حالات التقاعد المبكر، وما يقابلها من طول الفترة الزمنية التي سيستفيد منها المتقاعد، وهو السبب الذي قد يبدو في ظاهره مقنعا للعاملين في التأمينات الاجتماعية، إلا أنه في الحقيقة وبمقارنته بكثير من الأسباب الأخرى الأكثر وزنا وتأثيرا، سيثبت للجميع أنه لا يتمتع بجزء كبير من القناعة التي وضعها العاملون في التأمينات الاجتماعية فيه، وأن أسبابا أخرى - سيأتي ذكرها - هي التي تستحق الاهتمام الأكبر، والعمل المستمر على معالجتها من جذورها، والمبادرة بالتفكير في الحلول المتاحة خارج الصندوق المفكر فيه لدى العاملين في التأمينات الاجتماعية.

يتوافر لدى الصندوق التقاعدي الجديد الآن كأصول استثمارية "مالية، عقارية" نحو تريليون ريال، وتتوزع التدفقات الداخلة عليه كمتحصلات بدرجة رئيسة بين اشتراكات التقاعد زائدا عوائد استثمار تلك الأصول الاستثمارية المالية والعقارية. يتركز الحديث هنا حول الحلول المتاحة أمام التأمينات الاجتماعية على الزيادة الممكن تحقيقها لهذين البندين الرئيسين "متحصلات اشتراكات التقاعد، عوائد الاستثمار".

ينطلق حل زيادة متحصلات اشتراكات التقاعد من: (1) إمكانية إلزام جميع المنشآت وأصحاب الأعمال الخاضعين للنظام، بدفع 9 في المائة من أجور العمالة الوافدة لديها، ودون تحديد سقف أعلى لنسبة الاستقطاع واجبة الدفع شهريا، وتتم إضافتها لتغذية حساب المعاشات لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والتأكيد هنا على عدم الاستقطاع بأي نسبة كانت من الأجور التي تتسلمها العمالة الوافدة، فيظل الالتزام قائما فقط على المنشأة. (2) إلزام المنشآت وأصحاب الأعمال بدفع 1 في المائة من الأجور المدفوعة للعمالة الوافدة لديها، وتتم إضافتها لتغذية حساب ساند لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، واتباع الآلية نفسها في الإجراء السابق. والتأكيد مجددا هنا أن العمالة الوافدة التي لم يتم تحميلها شيئا من تلك الاستقطاعات، لن تستفيد منها بعد نهاية خدمتها، في الوقت ذاته ستتركز الفائدة من تلك الاستقطاعات على المتقاعدين من المواطنين والمواطنات، أو من فقد عمله تحت مظلة "ساند".

تنطلق الأهمية القصوى لهذين الإجراءين من كونها أولا: ستسهم في تعزيز متحصلات التأمينات الاجتماعية سنويا بما لا يقل عن 15.0 مليار ريال سنويا، بناء على أعداد العمالة الوافدة حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، ووفقا لإجمالي الأجور السنوية التي تجاوزت 168.6 مليار ريال حسب أحدث بيانات حولها. ثانيا: سيسهم هذا الإجراء في دفع المنشآت وأصحاب الأعمال بدرجة أكبر إلى زيادة معدلات التوطين لديها، خاصة بعد إزالة أحد أسباب تفضيلها للعمالة الوافدة على العمالة المواطنة "عدم تحمل تكاليف دفع اشتراكات التقاعد وساند، فيما تدفع فقط 2 في المائة (فرع الأخطار المهنية)". ويمكن ضمان عدم انخفاض هذه المتحصلات بنسبة مؤثرة مع الانخفاض المحتمل للعمالة الوافدة، بل قد تتخذ مسارا متصاعدا في الأجلين المتوسط والطويل بالتزامن مع زيادة معدلات التوطين، التي ستترتب عليها زيادة نسب الاستقطاع الشهري إلى 18 في المائة، وكلا الأمرين ستكون نتائجه محمودة جدا على الأطراف كافة "التأمينات الاجتماعية، المواطنين والمواطنات الباحثين عن عمل، المتقاعدين سواء المبكر أو النظامي".

أما بخصوص زيادة عوائد الاستثمار المالية والعقارية، فسيتركز المقترح على زيادة عوائد الاستثمارات العقارية تحديدا، ذلك أن المؤسستين بوضعهما السابق المنفصل "المؤسسة العامة للتقاعد، المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية"، تتوافر لديهما استثمارات كبيرة جدا في مساحات كبيرة من الأراضي، جرى تملكها طوال العقود الخمسة الماضية بتكاليف أدنى بكثير من أسعارها السوقية خلال الفترة الراهنة، وتم تطوير أجزاء منها والتشييد عليها طوال تلك العقود، لكن في المقابل ما زالت لديها مساحات أكبر من تلك الأراضي لم يتم بعد تطويرها والاستفادة منها استثماريا، ويمكنها خلال المرحلة الجديدة التي أصبحت عليها هيكليا، أن تتخذ استراتيجيات استثمارية أسرع وأكبر لتحويل تلك الأصول الخاملة استثماريا إلى أصول نشطة استثماريا، والمساهمة بدرجة كبيرة في زيادة العوائد المتحققة على الأصول المملوكة للصندوق التقاعدي، وسيجد الصندوق فرصا وخيارات واسعة جدا لتحقيق هذا الهدف الاستثماري، لعل من أهمها لتمويل مزيد من استثماراته العقارية أو في أي مجال استثماري آخر يحقق عوائد مجدية، أن يتخارج من ملكية بعض تلك الأراضي بالأسعار السوقية المرتفعة اليوم، ومن ثم يمكنه توظيف المتحصلات الكبيرة والمتوقعة في المجالات الاستثمارية الواعدة محليا، التي لن يقف دورها فقط عند مجرد زيادة العوائد الاستثمارية المتحققة للصندوق التقاعدي، بل سيتجاوزه إلى زيادة الاستثمارات في الاقتصاد الوطني، وزيادة كل من النمو الاقتصادي وفرص العمل المجدية أمام المواطنين والمواطنات، وهو الأمر الذي ستنعكس إيجابياته أيضا على الصندوق في الأجلين المتوسط والطويل. إنها الحلول الأقل تكلفة والأعلى عوائد على الاقتصاد الوطني بأكمله، ولا تقف عند حدود الصندوق التقاعدي فحسب، ويؤمل أن تجد اهتماما واستجابة من العاملين في التأمينات الاجتماعية.

 

نقلا عن الاقتصادية