حماية الاقتصاد من التضخم الزاحف لأسعار الأراضي

21/06/2021 3
عبد الحميد العمري

أكدت البيانات الموثقة حول نشاط السوق العقارية المحلية والصادرة عن وزارة العدل أن أسعار الأراضي السكنية في مختلف المدن والمحافظات تتحرك في موجة متصاعدة من التضخم، بدأتها مع مطلع 2019 ولا تزال سابحة في موجتها حتى تاريخه، وحسبما تظهره تلك البيانات، فإن الموجة التضخمية التي اتسمت بها أسعار الأراضي فاقت بمعدلات ارتفاعها سقف 100 في المائة في أغلب أحياء المدن والمحافظات خلال الفترة 2019 - 2021، وبالنظر إلى العوامل الرئيسة التي أسهمت في حدوثها، ولا تزال قائمة حتى تاريخه، يمكن التأكيد أن لا نهاية منظورة لتلك الارتفاعات المستمرة في الأسعار، إلا بإحداث تغييرات جذرية في تلك العوامل، والمبادرة بالعمل المتكامل من قبل الأجهزة الحكومية ذات العلاقة على معالجة الأسباب التي أفضت إلى تضخم الأسعار.

وكما سبقت الإشارة إليه في تقارير سابقة حول أبرز عاملين وقفا خلف تلك الارتفاعات القياسية خلال الفترة القصيرة 2019 - 2021 اللذين تمثلا في العامل أو السبب الرئيس الأول: بالارتفاع القياسي في التسهيلات التمويلية الكبيرة التي صاحبت إجراءات الحصول على تمويل عقاري لمصلحة الأفراد، ناهزت سقف الـ 283 مليار ريال منذ مطلع 2019 حتى نهاية نيسان (أبريل) الماضي من العام الجاري، ما دفع بدوره مستويات الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية نحو ارتفاعاتها القياسية المسجلة خلال تلك الفترة الزمنية الوجيزة، وفي مقدمتها بكل تأكيد عنصر الأراضي السكنية في مختلف أحياء المدن والمحافظات.

أما العامل أو السبب الرئيس الثاني: فقد تمثل في عدم مواكبة سرعة تنفيذ مراحل نظام الرسوم على الأراضي البيضاء في المدن والمحافظات، للسرعة التي كانت عليها وتيرة نمو القروض العقارية الممنوحة للأفراد، وهو ما أدى إلى تنامي قوى الطلب في السوق العقارية المحلية بصورة كبيرة جدا، مقابل تباطؤ نمو قوى العرض من الأراضي السكنية التي فضل من خلالها ملاك الأراضي الاحتفاظ بها للاستفادة بأكبر قدر ممكن من النمو القوي للطلب، وانعكاسه المباشر على نمو الأسعار السوقية، وهو ما تحقق فعلا كما تظهره بيانات الأسعار المسجلة طوال تلك الفترة، خاصة في ظل محدودية الأثر الناتج عن المرحلة الأولى من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء للعام الخامس على التوالي.

لقد أسهم العاملان المشار إليهما أعلاه في زيادة تدفقات الاستثمار على تملك الأراضي دون انتفاع، والبحث عن تحقيق مكاسب قياسية من مجرد الاحتفاظ بها لعدة أعوام، دع عنك ما استهدفه نظام الرسوم على الأراضي البيضاء من تحفيز ملاك الأراضي نحو تطويرها، والدفع بهم نحو التشييد عليها وتمكين شركات التطوير العقاري من الانتفاع منها والبناء عليها، ومن ثم ضخ منتجاتها في السوق العقارية المحلية، إلا أن تأخر تنفيذ واستكمال بقية مراحل النظام، وما ترتب عليه من ضعف تأثيرها فيهم، لم يحدث شيئا ملموسا من تلك المستهدفات، وتحت الارتفاع القياسي للمكاسب المتحققة من الاحتفاظ بالأراضي، مقارنة بالتكلفة التي لا تكاد تذكر أمام تلك المكاسب، حفزت أولئك الملاك على تمديد الفترة الزمنية للاحتفاظ بملكيتها دون تطوير أو استخدام، وحفز أيضا مستثمرين ومضاربين آخرين على الانضمام إلى ركب الرابحين من هذه الموجة التضخمية الكبيرة للأسعار.

وسبق الحديث عن الآثار العكسية المحتملة على الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص والمجتمع، من جراء حدوث هذا التضخم الزاحف لأسعار الأراضي، وبما تمثله من كونها أحد أهم وأكبر مدخلات الإنتاج والاستهلاك، والتأكيد أن استمرار تضخمها بهذه الوتيرة المتسارعة سينعكس سلبا على ارتفاع تكلفة الإنتاج والتشغيل لبقية القطاعات والنشاطات الاقتصادية الممثلة للجانب المنتج من الاقتصاد الوطني، وسيحد كثيرا من قدرتها المأمولة على رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتوسيع وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وسيحد أيضا من قدرتها المستهدفة لإيجاد وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل اللازمة أمام الحجم الكبير من الباحثين والباحثات عن عمل.

إننا بالعمل المتكامل على التفعيل الكفء للسياسات والبرامج الهادفة لمحاربة أشكال الاحتكار والاكتناز والمضاربة على الأصول غير المنتجة والخاملة اقتصاديا، في مقدمتها الأراضي التي تستهدف برامج رؤية المملكة 2030 توظيفها في خدمة الاقتصاد واحتياجات المجتمع، لا أن تبقى خارج مسارات التطوير والإصلاح والاستخدام والانتفاع، والسماح لها بتلك القفزات السعرية التضخمية الكبيرة خارج دوائر الاقتصاد الوطني، التي ستنعكس على استقرار الاقتصاد الوطني ونموه المستهدف بالاستدامة والشمولية، المؤكد من كل هذا أن الأمر لا يقف عند مجرد خفض الأسعار المتضخمة للأراضي، والحد من تضخمها مستقبلا خارج العوامل الأساسية المقبولة اقتصاديا، بل يمتد إلى أبعد من كل ذلك، ليضمن حماية أكبر وأوسع وأصلب لمقدرات الاقتصاد الوطني، وتوفير البيئة المستقرة لكل نشاطاته وقطاعاته، وتمكينها من النمو والتوسع والتطور، وأن تتعاظم مساهمتها الحقيقية في النمو والتنمية الشاملة والمستدامة، وتجتذب أرصدة أكبر من الثروات والاستثمارات المحلية والأجنبية، وتتضاعف قدرتها على إيجاد وتوفير فرص العمل الكريمة أمام مئات الآلاف من المواطنين والمواطنات الباحثين عن عمل، وينعكس كل ذلك على تحسن مستوياتهم المعيشية وارتفاعها المطرد، وهي المكاسب الجمة التي ستصب عوائدها على الاقتصاد الوطني عموما، والقطاع الخاص خصوصا، ويوجد في خلاصته اقتصادا متينا وقويا وصلبا جدا.

 

نقلا عن الاقتصادية