شركات الطيران.. والتغريد خارج الممرات

25/10/2020 1
د. خالد رمضان عبد اللطيف

ما زالت شركات الطيران العالمية تمني نفسها بتسريع وتيرة الأعمال والاستماع بشكل متواصل لضوضاء هدير محركاتها النفاثة حين تجول طائراتها حول العالم، وترجمة ذلك إلى أرباح تغطي خسائرها الفادحة، لكن هذا الحلم على بساطته يبدو بعيد المنال الآن في ظل اندلاع موجة ثانية من فيروس كورونا في أوروبا وأمريكا، فبالرغم من مرور أكثر من عشرة أشهر على الأزمة الأسوأ في تاريخ الصناعة منذ بدء أول خدمة تجارية لنقل الركاب قبل 100 عام، إلا أن الكثير من السموات المفتوحة تبقى هادئة بلا إزعاج أزيز الطائرات بسبب التقهقر المؤلم في القطاع السياحي، الأمر الذي عطل غالبية الممرات الجوية الأكثر ازدحاما وربحية حول العالم.

رغم استئناف بعض العمليات التشغيلية، والتعافي البطيء في السفر الجوي، إلا أن خسائر شركات الطيران العالمية، قد تصل إلى 77 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الجاري، وفقاً لتقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا"، وهذا الرقم الفلكي يعني خسائر شهرية بحوالي 13 مليار دولار، أو 300 ألف دولار في الدقيقة الواحدة، وقد استنفرت هذه الخسائر الحكومات المختلفة إلى تقديم دعم مالي قياسي للشركات بقيمة 160 مليار دولار، متضمنة مساعدات مباشرة،

وإعانات للأجور، وإعفاءات ضريبية خاصة بالصناعة بما في ذلك ضرائب الوقود.

كافحت شركات الطيران التي تعرضت لأذى كبير للخروج من شرنقة الأزمة المستفحلة عبر تنفيذ إجراءات تقشفية مؤلمة شملت إيقاف تشغيل آلاف الطائرات، وتجميد الرحلات، ووقف أي نفقات غير حرجة، واعتماد أسلوب الإجازات المفتوحة، وتسريح مئات آلاف الموظفين من ذوي الخبرة، إلا أنها لم تستطع تفادي الخسائر الفادحة، بسبب الدمار الذي حل ببند الإيرادات الصيفية التي كانت تساعدها للبقاء قوية خلال أشهر الشتاء الأقل نشاطاً، وإذا لم يتم تمديد برامج الدعم الحكومية للقطاع المتعثر فستكون العواقب وخيمة.

تبدو آفاق الانتعاش قاتمة مع عدم توقع تعافي كامل في الصناعة حتى منتصف العقد الحالي، حيث من المتوقع أن يكون السفر لمسافات طويلة آخر جزء من السوق يعود إلى مستويات ما قبل الوباء، فتعافي الطلب مشروط بتوفير اللقاح وتوزيعه، لكن على الرغم من هذه الأرقام الكئيبة، فإن الإرادة السياسية للدول بإعادة فتح السموات قد تتزعزع الآن مع اندلاع الموجة الثانية للفيروس القاتل، وقد أظهرت يوميات الأزمة أن السياسيون رفضوا بشدة ضغوط الشركات لإعادة فتح القطاع، لكن الإقبال الضعيف جداً على السفر مع عودة فتح الأجواء الدولية، يؤشر على عدم وجود قناعة بالعودة إلى الأجواء مع تباطؤ إنجاز اللقاح.

مع هذا، فإن صناعة الطيران لديها بعض القوة الدافعة المتمثلة في إعادة فتح بعض المسارات الدولية، ومن الضروري البدء باستعادته، عبر التركيز على شريحة المغتربين الذين يزورون عائلاتهم في الخارج، وتشغيل مسارات جديدة، وتنمية أرقام الشحن الجوي، حيث تبقى تقلبات المسافرين وميلهم لعدم السفر وتحولهم إلى تقنية العمل عن بعد وعقد المؤتمرات عبر الفيديو، العقبة الكبيرة أمام تعافي الطلب، فالمسافرون من رجال الأعمال يمثلون 75 في المائة تقريباً من الربح السنوي، وإذا فضلت تلك الفئة الاعتماد على الابتكارات الجديدة لإتمام أعمالها بدلاً من السفر والطيران، واستثمرت الشركات أكثر في تدريب موظفيها عبر الدوائر التلفزيونية، بدلاً من تكلفة السفر جوا وإقامة الفنادق، فإن سوق العمل في القطاع سيتقلص بشدة، في الوقت الذي تواجه فيه شركات الطيران منخفضة التكلفة تهديدات من المسافرين الذين يلجؤون للسيارات الخاصة الأكثر أماناً ومرونة.

 
 
خاص_الفابيتا