مستقبل النظام العالمي الجديد

20/10/2020 0
د. فواز العلمي

نتيجة للفوضى الخلاقة التي ترعرعت عبر العقود الثلاثة الماضية في كنف النظام العالمي الجديد، انقسمت دول القرية الكونية إلى قسمين: دول استسلمت طوعا لهذه الفوضى فاختلطت بين شعوبها موازين الحق بالباطل، وتحولت حكوماتها إلى حلبة صراع مستميت على السلطة والمال، فأصبحت عاجزة عن تطوير ذاتها ومعالجة قضاياها والتصدي لتحدياتها. وفي المقابل، دول انتفضت لصد تيارات الفوضى فأسرعت بجمع شمل شعوبها وأطلقت مبادراتها ورؤيتها، وأحسنت استغلال قدراتها والاستفادة من مزاياها، فأصبحت قادرة على تعزيز مكانتها والمحافظة على حقوقها وتنمية مصادر دخلها.

التنافسية في التجارة الدولية، التي كانت أحد أهم مبادئ النظام العالمي الجديد، أصبحت اليوم تواجه أسوأ مراحلها بسبب الفوضى الخلاقة للسياسات الحمائية التي تنتهجها الدول الرأسمالية المؤسسة للعولمة الاقتصادية. هذا ما أكده تقرير مركز أبحاث السياسات الاقتصادية في لندن الصادر قبل أسبوعين، محذرا دول العالم عامة ومجموعة العشرين خاصة، بأن التنافسية العالمية تئن تحت وطأة تراجع معظم الدول الرأسمالية عن تطبيق اقتصاد السوق وحرية التجارة، لتحتل الدول الاشتراكية مكانة الصدارة في التجارة العالمية، فأزاح التنين الصيني والدب الروسي المارد الأمريكي والعملاق الأوروبي عن عرش العولمة.

وأكد التقرير أن الدول الكبرى احتلت المرتبة الأولى كأكثر الدول استخداما للسياسات المشوهة للتجارة من خلال تطبيق أكثر من 600 نوع من الإجراءات التمييزية ضد الشركات الأجنبية في العقد الماضي. لذا استمر نمو التجارة العالمية ضعيفا وبمعدل 2.8 في المائة عام 2019، ما يجعله العام الخامس على التوالي الذى يحقق فيه هذا النمو نسبة أقل من 3 في المائة، وفقا لآخر تقرير صادر عن منظمة التجارة العالمية.

هذه السياسات المشوهة للتجارة أخذت في العام الماضي منحنى خطيرا بعد أن فرضت أمريكا رسوما جمركية حمائية على وارداتها من الحديد الصلب الصيني، لتصل إلى ما مجموعه 522 في المائة، وتشمل 266 في المائة رسوم مكافحة الإغراق و256 في المائة رسوم تعويض الدعم. وهذا يتعارض مع أبسط قواعد منظمة التجارة العالمية، لأن فرض هذه الرسوم بصورة مزدوجة في وقت واحد على المنتجات المستوردة يتعارض حكما ونظاما مع التزامات الدول الأعضاء في المنظمة كافة.

وبينما لا تعترف الدول الرأسمالية بأن الصين دولة ذات اقتصاد حر، لكون معظم شركاتها هي شركات حكومية تتعامل بالتجارة نيابة عن الدولة، إلا أن واردات هذه الدول من الصادرات الصينية ارتفعت خلال الأعوام الخمسة الماضية بمعدل تراكمي وصل إلى 383 في المائة، وأصبح الميزان التجاري بين أمريكا والصين يميل لمصلحة الصين بقيمة تفوق 600 مليار دولار، ما نتج عنه تهديد أمريكا بفرض رسوم جمركية أخرى على وارداتها من الصين تصل إلى 45 في المائة، ما أدى إلى اندلاع الحرب التجارية القائمة حاليا بين أمريكا والصين.

وعلى عكس أمريكا الرأسمالية، المتهمة خطأ بمناصرتها للعولمة، استغلت الصين وروسيا فتح الأسواق العالمية، واستجمعت قواها مع البرازيل والهند وجنوب إفريقيا لتؤسس مجموعة من أسرع الدول في النمو الاقتصادي، وأطلقت عليها اسم مجموعة "بريكس"، التي تشكل مختصرا للحروف الأولى من أسماء هذه الدول. وعندما عقدت هذه المجموعة أول قمة بين قادتها في حزيران (يونيو) من عام 2009، أعلنت تأسيس نظام عالمي جديد، واتفقت على مواصلة التنسيق بينها لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، بما فيها التعاون في القطاع المالي والتمويلي وإيجاد الحلول الناجعة للأمن الغذائي.

واليوم بينما لا تزيد مساحة مجموعة "بريكس" على 26 في المائة من مساحة القرية الكونية، ولا يزيد عدد سكانها على 45 في المائة من سكان الأرض، إلا أنها أصبحت تستحوذ على 23 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي، و18 في المائة من إجمالي حجم التبادل التجاري الدولي، وتحتفظ بنحو 40 في المائة من مجموع احتياطيات العالم، لتنافس بحلول عام 2030 اقتصادات أغنى دول العالم بما فيها أمريكا وأوروبا واليابان ودول الخليج العربية.

ورغم ما يربط دول مجموعة "بريكس" من تحديات مشتركة وقضايا دولية شائكة إلا أن المجموعة عقدت العزم على مواجهتها بتسريع إصلاحات هيكلتها الإدارية وتطويع أزماتها المالية وتذليل عقباتها التنموية، إلى جانب تدويل عملاتها المحلية. لذا أسست المجموعة قاعدة تعاون استثمارية وتجارية مشتركة، وكونت منظومة تعاون نقدية متعددة المستويات، لدفع احتساب التجارة البينية بالعملة المحلية، وتسهيل مبادلاتها الاستثمارية وتعاونها المشترك في المجالات كافة.

مستقبل النظام العالمي الجديد لن يكون مثل عالم الأمس أو حتى مثل عالم اليوم، فحجم اقتصاد قريتنا الكونية سيتكون مستقبلا من أربعة تحالفات استراتيجية، أعظمها سيكون من مصلحة مجموعة الآسيان التي ستصعد للمرتبة الأولى كأكبر اقتصاد عالمي بناتج محلي إجمالي يفوق 41 تريليون دولار، متفوقة بذلك على مجموعة الاتحاد الأوروبي التي ستحتل المرتبة الثانية بناتج محلي إجمالي لا يزيد على 38 تريليون دولار، تليها دول شمال أمريكا لتحتل المرتبة الثالثة بناتج محلي إجمالي يفوق 36 تريليون دولار، ودول "بريكس" المكونة من خمس دول بناتج محلي إجمالي يساوي 28 مليار دولار، لتحتل المرتبة الرابعة. وهذا ما يؤكد التقارير الدولية التي تتنبأ أن النظام العالمي الجديد بدأ يتحول في العالم من العولمة إلى الأقلمة، لتتربع الشراكات الاستراتيجية وأقاليم التحالفات التجارية على عرش الاقتصاد العالمي.

وبما أن العالم أصبح يزخر بالتكتلات الاستراتيجية، التي بلغ عددها 205 تكتلات، دعت هذه التكتلات كل المنظمات الدولية إلى إرساء قواعد نظام عالمي جديد ومميز للإنطلاق بسرعة البرق من عصر العولمة إلى عصر الأقلمة. لذا على ما تبقى من الدول المتناحرة، التي فشلت في صد الفوضى الخلاقة، وأهدرت ما تبقى من خيراتها ومصالحها، أن تتوقف عن خلافاتها السياسية وتتنبه لما يدور حولها وتسارع في تكوين تحالفاتها التجارية وشراكاتها الاستراتيجية لتتأقلم وتستفيد من مستقبل النظام العالمي الجديد.

 

نقلا عن الاقتصادية