الاستشراف الاقتصادي العالمي

19/10/2020 0
د.صالح السلطان

صدر قبل أيام تقرير صندوق النقد الدولي "الاستشراف الاقتصادي العالمي" World Economic Outlook، واختصارا WEO والتقرير يصدر مرتين سنويا في الربيع والخريف، وهو خلاصة تحليلات الصندوق حول التطورات الاقتصادية في العالم أخيرا، وتوقعات المستقبل القريب. التقرير يغلب عليه التشاؤم، وهذا أمر متوقع مسبقا مع الظروف التي يمر بها العالم، يتوقع الصندوق أن ينحدر نمو الاقتصاد العالمي تحت الصفر نحو 4.4 في المائة هذا العام. وصراحة يبدو لي أن الانحدار أسوأ، أما في العام المقبل فيتوقع الصندوق نموا بالموجب في حدود 5 في المائة، وهو رقم أقل من توقعات النمو قبل حدوث الأزمة.

ماذا بعد تلك الانتعاشة المتوقعة في العام المقبل؟

يتوقع الصندوق أن يعقبها تباطؤ في مسار النمو، ليبلغ نحو 3.5 في المائة سنويا، على المدى المتوسط كأربعة أعوام من الآن. ويرى الصندوق في الوقت نفسه أن هذا المسار محفوف بمخاطر ونكسات. وقوة المخاطر ترجع إلى أسباب أهمها شدة ضعف البشر في فهم ما حدث، وتبعا، ضعف في توقع مساره. ذلك أن هذا الفهم والتوقع مرتبطان بعوامل متعلقة بالصحة العامة، وأوضاع الاقتصاد صعب جدا التنبؤ بها.

ما سبق يعني الحاجة إلى أعوام لعودة الاقتصاد العالمي إلى مستويات النشاط السابقة قبل الجائحة، هذا المسار النامي كان هو الصورة العامة في الاقتصاد العالمي خلال الـ 20 عاما الماضية.

ينتج من التباطؤ على المدى المتوسط توقف أو توقع انعكاس مسار التحسن في الفقر على مستوى العالم الذي ظهرت بوادره، ولو بصورة نسبية، خلال الـ 20 عاما الماضية. وتبعا يتوقع الصندوق فجوات سلبية كبيرة في الناتج المحلي، وأن العطالة ليست في انخفاض بصورة عامة العام المقبل سواء في الاقتصادات المتطورة أو الصاعدة.

ستزيد مشكلة اليد العاملة الذين يعتمدون على الأجر اليومي وليست لديهم شبكة تأمين اجتماعي، خاصة اليد العاملة المهاجرة، فهؤلاء فرصتهم في الحصول على دعم انخفضت كثيرا مع الجائحة.

ماذا بشأن الدين السيادي؟ أي ديون الحكومات.

متوقع تزايد هذا الدين، ومما يعمل على زيادته حصول انكماش في القاعدة الضريبية على المدى المتوسط، وهذا يزيد من متاعب ماليات الدول.

السيناريو الأساسي الذي قام عليه تقرير صندوق النقد الدولي استمرار التباعد الاجتماعي في العام المقبل 2021. وتراجعه السريع بعد ذلك مع توقع اتساع نطاق تغطية اللقاحات المضادة للفيروس، وتحسن العلاج. ومتوقع انتهاء الفيروس تقريبا خلال عامين من الآن. لكن ندوبه تستمر أعواما.

ذلك الاستمرار خلف ويخلف تأثيرات اقتصادية في حكم الدائمة. من هذه التأثيرات والتغيرات تكاليف التكيف وانعكاسات مختلفة على إنتاجية الشركات التي تمكنت من الصمود. من التأثيرات تداعيات إفلاس عدد هائل من الشركات، ما يتطلب تكاليف كبيرة على عمليات الإصلاح وإعادة توزيع الموارد وإصلاح سوق العمل.

ما سبق يؤثر سلبيا في نمو الاستثمارات وتراكم رأس المال المادي، وتحسين رأس المال البشري.

وعن المخاطر بين تقرير الصندوق أن ضعف التوقع وضعف قدرتنا على التنبؤ يزيدان المصاعب والمخاطر. وتزيد المشكلة في الأنشطة المتسمة بكثافة المخالطة. ومتوقع جدا انخفاض قوي في تحويلات العاملين في الخارج ولهذا انعكاساته.

ما مزاج الأسواق المالية؟

مخاطر النمو تزيد لو حدثت موجة كورونا جديدة، أو تأخر توافر اللقاح وتحسن العلاج. وتزيد المشكلة في الدول الأقل قدرة على الحصول على العلاجات، وتزيد أكثر مع ضعف قدرتها على الحصول على تمويلات.

تحدث الصندوق عن أولويات السياسات أخذا في الحسبان حتميات المدى القصير القريب، وتحديات المدى المتوسط. في هذا ينصح الصندوق بجعل إجراءات الضرائب والإنفاق تأخذ بعين النظر أهمية دعم زيادة الناتج قدر الإمكان، والدفع نحو النمو التشاركي الذي يعم نفعه. كما من المهم حماية الفئات الضعيفة. ويجب الأخذ بعين النظر أن زيادة الدين العام بسبب زيادة الاقتراض كثيرا هذا العام، هذه الزيادة تتطلب زيادة الاهتمام بتوسيع حجم الاقتصاد للمساعدة على توفير السداد. وفي هذا يجب إعطاء مزيد اهتمام في مراجعة تمويل دعم موجه لمن هم أقل استحقاقا، ومراجعة إنفاق يقل الرشاد فيه. بالمقابل، يدعو الصندوق إلى زيادة الاستثمار في الصحة والتعليم ومشاريع البنية التحتية ذات العائد الأعلى.

أما على المستوى العالمي، وحيث إن التعافي عالميا ضعيف ومتقلب ويواجه تهديدات عديدة، فإن الأمر يتطلب جهودا قوية متعددة تتعاون عليها الأطراف والدول والمنظمات في مكافحة الأزمة وآثارها. وفي هذا قالت كريستالينا جورجييفا مديرة صندوق النقد الدولي "إن التعاون العالمي القوي بشأن لقاحات كوفيد - 19 ربما يسرّع التعافي الاقتصادي العالمي، ويضيف تسعة تريليونات دولار إلى الدخل العالمي بحلول 2025".

ويرى علماء اقتصاد بارزون أن الحاجة زادت لعمل إصلاحات هيكلية في المالية العامة. وتختلف الرؤى في قدر الإصلاح بالنظر إلى وجود قدر من سوء الفهم أو التطبيق من جهة، واختلاف الظروف من جهة أخرى. وهنا يشار إلى أن العالم واجه خلال الأعوام الماضية مشكلة في توزيع الدخل نتيجة عوامل أهمها عاملان: التطورات التقنية والعولمة. وزادت الجائحة من مشكلة توزيع الدخل. وفي هذا ينصح بمزيد من تحسين آليات التأمين الاجتماعي، ومزيد عدالة في النظم الضريبية. وأهم من ذلك كله حسن الظن بالله عن يقين وتطبيق، وطلب العون منه. كفانا الله كل شر آمين.

 

نقلا عن الاقتصادية