انتبه .. التضخم قادم

10/09/2020 5
عبدالله بن عبدالرحمن الربدي

خلال العقود الماضية ترسخ لدى المتابعين أن سياسة "الاحتياطي الفيدرالي" تقوم على استهداف نسبة تضخم لا تتجاوز 2 في المائة كهدف لاستقرار الأسعار، لكن في نهاية آب (أغسطس) الماضي صرح جيروم باول، رئيس "الاحتياطي"، بأنهم سيقومون بتغيير سياستهم، حيث يسمحون بتضخم أعلى من 2 في المائة لبعض الفترات على أساس تعويض الفترات التي ينخفض فيها عن 2 في المائة، وبالتالي تحقيق متوسط للتضخم على المدى الطويل في حدود 2 في المائة، هذا الخبر قد يكون قد مر مرور الكرام على البعض لكن هو مهم جدا لكل العالم، وللسعودية بشكل خاص، وذلك على عدة جوانب، سأقوم باستعراضها في هذا المقال.

عندما يقرر "الاحتياطي" القبول بتضخم أعلى من 2 في المائة، فذلك يعني تبني سياسة نقدية توسعية تعني بقاء أسعار الفائدة متدنية في هذه المستويات الحالية لمدة قد تكون طويلة من الزمن، وهذا له تداعيات كبيرة، أولها انتعاش سوق الرهونات العقارية عبر زيادة الطلب على القروض العقارية خلال مدة زمن طويلة بسبب انخفاض تكلفة القروض، وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع الأصول العقارية وانتعاش لقطاع البناء والتشييد بعد مدة من الزمن. هذا ليس فقط ينطبق على أمريكا، بل على السعودية كذلك بسبب ارتباط الريال بالدولار، وبالتالي اتباع سياسة "الفيدرالي" في بقاء أسعار الفائدة منخفضة، لذلك - وكتوقع شخصي - ستعاود سوق العقار نشاطها لكن في القطاع السكني والتطوير بشكل جيد، إلى جانب العقار هنالك الشركات والمستثمرون بشكل عام سيتاح لهم الحصول على قروض بأسعار منخفضة، وهذا سيؤدي إلى زيادة الاستثمار أو إلى تقليل تكاليف التمويل للقروض القائمة، وبالتالي سيساعد الشركات على تحسين الربحية، ومن ثم زيادة التوظيف بسبب قدرتهم على التوسع عبر الاقتراض المنخفض التكلفة، وبالتالي يتحقق انتعاش ونمو اقتصادي، كذلك سيكون لسوق الأسهم نصيب من الانتعاش، وذلك بسبب عودة التضخم إلى الارتفاع وتوافر الإقراض المنخفض.

على الجانب الآخر، فمن المتوقع أن تكون هنالك جوانب سلبية علينا، وهي توقع دخول الدولار في دورة هبوط أمام السلع والعملات الأخرى، وإذا ما تحقق هذا التوقع، فهذا يعني احتمالية ارتفاع تكاليف الواردات للسعودية، وبالتالي سنحصل على تضخم مستورد قادم من انخفاض الدولار، وبالتالي سنشهد خلال الأعوام المقبلة نمو الأسعار (التضخم) سواء كان من بقاء معدلات الفائدة منخفضة أو بسبب التضخم المستورد، وعلى الجانب الآخر لفرضية انخفاض الدولار، فذلك يعني ارتفاع السلع ومن أهمها النفط، وهذا إن تحقق، فإن النفط سيدخل في دورة صعود، خصوصا إذا ساعدته عوامل الطلب والعرض، وبذلك ستحقق الدولة دخلا أعلى مما كان متوقعا وهذا سيساعدها على تنفيذ خططها التنموية وبرامج الرؤية.

كل ما تم ذكره يجب على كل شخص الانتباه إليه سواء كان مستثمرا أو شابا في مقتبل الحياة أو رئيسا تنفيذيا في شركة، فمعلومة مثل بقاء أسعار الفائدة منخفضة لمدة طويلة يجب أن تؤخذ في الحسبان، فقد يكون قرار أخذ قرض لشراء منزل الآن مناسبا استغلالا لها، وقد يكون قرار الشركة لأخذ قرض طويل الأمد لتمويل مشاريع مناسبا بعد دراسته والأخذ في الحسبان تكلفة القرض المنخفضة، أو قد يكون من المناسب إصدار صكوك وهي في العادة من متوسطة إلى طويلة الأمد، كذلك المطورون العقاريون يجب عليهم دراسة ارتفاع الطلبات مستقبلا وقدرتهم على تمويل مشاريعهم بقروض منخفضة التكلفة وبالتالي قد يكون مغريا الاستثمار فيها. أما بالنسبة للفرد العادي فأعتقد يجب عليه الانتباه إلى حقيقة وجود تضخم قادم خلال الأعوام المقبلة وهو ما يستوجب منه الحفاظ على مدخراته وأمواله، حيث إن الوجه الآخر للتضخم هو انخفاض القيمة للأموال، وهذا يعني أن كل من سيحتفظ بالنقد دون استثمار ستكون أمواله معرضة للتناقص في قيمتها كنتيجة حتمية، ولهذا أنصح بتملك الأصول فهي تستفيد من وجود التضخم وترتفع قيمتها وبالتالي تعمل كحماية للثروات من خطر التضخم، وهذا لا يعني أنه ينبغي أن تملك الملايين كي تقوم بهذا الإجراء لكن يكفي تملك أسهم منتقاة بعناية وذات توزيعات مستقرة وجيدة أو تملك في صناديق عقارية متداولة مدرة للدخل ذات أصول قوية كنوع من التغير في الاستثمار بين أسهم وعقار، وبذلك تكون قد عملت ما عليك لتوفير الحماية ضد التضخم، وتذكّر دائما أن الخاسر الأكبر أمام التضخم هو الكاش.

 

نقلا عن الاقتصادية