هل يقوم مستثمروا رأس المال الجريء بعملية تقييم حقيقية؟

21/10/2018 0
أحمد الفوزان

تحدثنا في المقال السابق عن أن مايقوم به مستثمروا رأس المال الجريء ماهو إلا عمليات تمويل هجينه. هي تمويلات بها صفات الدين والملكية في آن واحد. وأن هذه الهيكلة الهجينة هي ماتتسبب في خلق تقييمات مرتفعة لشركات ناشئة.

فالتقييم فيقوم على أسس معينة أهمها النظر إلى التاريخ التشغيلي للشركة، ومن ثم بناء قصة مستقبلية يدعمها هذا التاريخ التشغيلي. وهناك طرق فنية عديدة ليس هذا المقال مجال للتطرق إليها. لكن الأهم هو أن هذا التقييم يقودنا بشكل نهائي للحصول على قيمة " عادلة" يمكن، واقعياً، بيع الشركة (بشكل كامل) أو جزئي، بناء عليها. اما التمويل فلا ينظر غالباً لقيمة الشركة، بل إلى قدرتها على الوفاء بالتزامتها وتسديد الدين خلال مدة زمنية يتم الاتفاق عليها.

مايحدث في الصفقات التي يقوم بها مستثمروا رأس المال الجريء هو بين هذا وذلك. فليس لدى الشركة تاريخ يمكن بناء توقعات مستقبلية عليه، ولكنهم في نفس الوقت يشترون حصصاً، بالتالي هي عملية أقرب للتقييم. في المقابل، فإن هذا التقييم لايعكس قيمة الشركة الحقيقية لأنه، كما شاهدنا في المقال السابق، لا أحد يقبل أن يشتري كامل الشركة، بالتالي فهذا اعتراف ضمني بأن الشركة بوضعها الحالي ( لاتستحق) هذه القيمة، وهذا ينفي عنها صفة التقييم.

باعتقادي أن المستثمر في الأصل هو مشروع ممول، لكن قياس العوائد والمخاطر أجبره على التحول من ممول إلى مستثمر. كيف؟ قد يقبل أي ممول أن يمول الشركة الناشئة بمبلغ معين وعائد معين لأنه يؤمن بأنها قد تنجح. لكن هذا التمويل فيه مخاطر عالية، قد تذهب بتمويله أدراج الرياح، لذلك من الحكمة أن يكون مستثمراً يتملك حصصاً على أن يكون ممولاً يقبل بعائد  معين، لأنه وكما هو معروف، فالعائد على الملكية أعلى من العائد على الدين، وفي حالة الشركات الناشئة، فإن الفرق يكون كبيراً وكبيراً جداً.

مثال، لو عرضنا على ممول أن يقوم بتمويل شركة ناشئة بفائدة  15% سنوياً يستردها خلال سنتين، أو أن يقبل حصصاً في الشركة يبيعها خلال خمس سنوات بعوائد 40% سنوياً. هنا لدينا احتمالين:  لو ساءت الأمور، فإنه سيخسر ماله في كلا الحالتين. واذا نجحت الشركة فيحصل على عوائد من الملكية أعلى بمرتين ونصف من الدين. فلماذا يكون ممولاً ولايكون مستثمراً؟

إن تقييم الشركة الناشئة يأتي بهدف أساسي ووحيد: هو (تمويل ) قصة حالمة يرويها المؤسسون ويصدقها المستثمرون. هذه القصة لاتدعمها عمليات تشغيل تاريخية طويلة بحيث يمكن قياس احتمالية نجاحها، ولكنها تعتمد بشكل أساسي على قدرة المستثمر وخبرته، وحدسه في أحيان كثيرة، في قياس هذه الاحتمالات. كما أن هذه العملية برمتها لاعلاقة لها ببيع أو شراء كما تبدو بشكلها القانوني. لكن مايجبر الممول على شراء حصص هو تشابه مستوى المخاطر مع تباين معدلات العوائد.

هذا هو الفرق الجوهري برأيي والذي يتسبب بارتباك بعض المتابعين لصفقات مستثمري رأس المال الجريء، ويقودهم للتساؤل حول منطقية التقييمات التي يبنى عليها الاستثمار. والمتوقع، أن غالب أو كل مستثمري رأس المال الجريء لن يتفقوا مع هذا التحليل. فالعملية برمتها أصبحت آلية ومبرمجه، لكن لو نظرنا إلى تفاصيلها الدقيقة، فقد نتفق مع هذه المقاربة.

خاص_الفابيتا