الذهب والنفط والدولار

10/10/2009 0
محمد العنقري

يسجل الذهب هذه الأيام مستويات سعرية تاريخية لم يسبق أن شاهدتها الأسواق سابقاً في الوقت الذي يتهاوى سعر صرف الدولار أمام العملات الرئيسية بشكل متسارع بينما يقف النفط عند حدود 70 دولاراً للبرميل دون ابتعاد عن هذه المناطق التي زارها منذ أشهر. 

وتبقى العلاقة بين هذا المثلث كبيرة جداً ومقياس رئيسي لحالة الاقتصاد العالمي حول التوجهات والتوقعات القادمة، فالدولار عملة الاحتياط العالمية التي يتم تسعير السلع بها يشهد أسوأ أيامه مدفوعاً إلى ذلك بعوامل عدة خلفتها الأزمة المالية العالمية، فاضطرار الحكومات وعلى رأسها أمريكا إلى ضخ الكثير من الأموال لاحتواء الأزمة المالية وتحفيز النمو الاقتصادي ساهم بتراجع أسعار الدولار مع فائدة صفرية لتشجيع عمليات الائتمان بشكل أوسع وسياسة مالية توسعية مما قلل العائد عليه وبالتالي الابتعاد عنه.

بينما خلفت هذه الإجراءات توقعات بارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات عالية، وهذا العامل أسهم بشكل كبير بالعودة إلى سوق المعادن وعلى رأسها الذهب كونه أصل العملات الحقيقي فهو يستوعب التضخم مما يعني حفظاً لقيمة الثروات كون الابتعاد عن الأصول المقيمة بالدولار أصبح تحوطاً ضرورياً لدى البنوك المركزية والصناديق الاستثمارية ويلاحظ ارتفاع اهتمام الصين والهند بشكل رئيسي بشراء الذهب كونهما يملكان احتياطات كبيرة من الدولار مما يعني أن شراء الذهب أمر بات إلزامياً في هذه المرحلة لتنويع تلك الاحتياطيات حتى تتجنب فقدان قيمتها بسبب ضعف الدولار وكذلك العائد من سندات الخزانة.

خصوصاً أن وضع الاقتصاد الأمريكي وان شهد بعض التحسن مؤخراً إلا أنه لا يعني الاطمئنان الكامل للمستقبل، فالعجز بالميزانية الأمريكية وصل إلى أكثر من 1400 مليار دولار أي قرابة 10 في المئة من الناتج القومي الأمريكي وهذا يخلق مزيداً من الضغوط مستقبلا على الإنفاق بسبب الحاجة إلى تسديد فاتورة الدين الكبيرة مع انخفاض الضرائب وتلاشي بعضها نتيجة تراجع قطاع الأعمال وإفلاس الشركات والبطالة.

كل هذه العوامل وغيرها من الاضطرابات السياسية توجد البيئة المناسبة للإقبال على الذهب خصوصاً إذا ما لاحظنا أن الكثير من الدول النامية خصوصاً بشرق آسيا وروسيا ترى ضرورة للتخلي عن الدولار كعملة احتياط عالمية خلال السنوات القادمة، وهذا ما يجعلهم يؤسسون لاحتياطياتهم من جديد حتى يكون هناك قدرة أوسع على اتخاذ مثل هذا القرار تدريجياً بهدف تقليل أثر تلك النقلة مستقبلاً على الاقتصاد العالمي وعليهم بشكل خاص.

فهذا يعطيهم قدرة على إدخال مفهوم البدائل للتعاملات مستقبلاً ويجعلهم أكثر قدرة على تفعيله دون الحاجة إلى التصادم مع الولايات المتحدة الأمريكية.

بينما يقف النفط عند مستوياته الحالية أمام الدولار ولكن مع اختلاف الأسباب كون علاقة النفط بالاقتصاد العالمي تختلف لأنه سلعة ناضبة ومشغل لعجلة الاقتصاد فهو مرهون بعوامل الطلب حالياً التي تحددها حالة الاقتصاد العالمي وتحاول الأسواق فحص وضع الاقتصاد العالمي لمعرفة مستقبل الطلب عليه وهل هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمارات والإمدادت فلا توجد ثقة كاملة بالعودة إلى النمو المستدام، فالنفط سبق الجميع بارتفاعات قادته إلى 147 دولاراً في عام 2008 نتيجة مضاربات مغلفة بحاجة الأسواق إلى الكثير من الإمدادات ما أعطى انطباعاً بنمو قوي له الاستمرار، وبالتالي فالنفط مرتبط بشكل كبير بعوامل النمو الاقتصادي بينما لم نشهد حالياً تغيرات كبيرة بأسعاره مثل الذهب مع تراجع الدولار مما يعطي صورة لواقع اقتصادي قادم يحكمه عامل التضخم كتوقع وتراجع بسعر الدولار وستتضح معالمه مع أي تغير تقوم به البنوك المركزية عالمياً تجاه أسعار الفائدة أو تقليل بمستوى الانفاق الحكومي لكبح جماحه مجدداً، فهل سيكون للذهب جولات وصولات للمرحلة القادمة يطغى الاهتمام به على كل منافسيه فهو عاشق للأحداث السيئة وحافظ للقيمة ولكن دون عوائد مباشرة أم ستتحرك أمريكا لإثبات ما ألزمت به نفسها مراراً حول سياسة الدولار القوي لإعادة التوازن بالاقتصاد العالمي وبالأسواق تحديداً، ويبقى النفط مرتاحاً من ناحية بقائه السلعة الأكثر طلباً والتي لا يمكن الاستغناء عنها لأنه الدم الذي يتغذى عليه العالم.