بمناسبة الذكرى 50 لتأسيس «أوبك»: بداية الألفية وأثر العوامل السياسية في أسعار النفط (2000 ــ 2002) (10)

26/10/2010 0
د.أنس الحجي

شهد العقد الأول من الألفية الثانية محطات أساسية في تاريخ صناعة النفط العالمية, التي تحتاج إلى وقفات طويلة لشرح آثارها على المديين القصير والبعيد. لكن لأسباب عملية متعددة سيتم اختصارها في ثلاثة مقالات. ومن أهم هذه المحطات الكساد الاقتصادي الذي عانته الولايات المتحدة عام 2001، وحادثة 11 سبتمبر في أواخر ذلك العام، وإضراب عمال النفط في فنزويلا، ثم الانقلاب على الرئيس الفنزويلي هيوجو شافيز ثم عودته إلى الحكم بعد يومين من الانقلاب، وإعصار إيزادور في خليج المكسيك عام 2002، والتهيؤ لغزو العراق، ثم احتلاله ابتداء من 20 آذار (مارس) 2003، وإعصار إيفان عام 2004, وإعصارا كاترينا وريتا عام 2005، والارتفاع المستمر والكبير في أسعار النفط بين عامي 2005 و2008، والأزمة المالية والكساد العالمي الذي تلاها في عامي 2008 و2009. ولا يمكن تجاهل دور ملء احتياطي النفط الاستراتيجي خلال تلك الفترة، والذي أسهم في زيادة الطلب على النفط.

ارتفاع الأسعار والنطاق السعري قامت ''أوبك'' بالتعاون مع دول من خارجها بتخفيض الإنتاج بمقدار 2.104 مليون برميل يومياً في آذار (مارس) 1999. ونتج عن هذا التخفيض، إضافة إلى عوامل أخرى، ارتفاع الأسعار بشكل مستمر خلال ذلك العام. واستمرت الأسعار في الارتفاع عام 2000 بسبب انخفاض الإنتاج الناتج عن انخفاض الأسعار في الفترات السابقة، واستمرار النمو الاقتصادي في شتى أنحاء العالم، وبعض العوامل السياسية في كل من العراق وفنزويلا ونيجيريا وإندونيسيا. وتجاوبت ''أوبك'' مع هذا الارتفاع بزيادة سقف الإنتاج أربع مرات في آذار (مارس)، وحزيران (يونيو)، وتشرين الأول (أكتوبر)، وأيلول (سبتمبر). لكن هذه الزيادة المستمرة في الحصص لم تترجم إلى زيادة فعلية في الإنتاج، لأنه بحلول آب (أغسطس) تلاشت الطاقة الإنتاجية الفائضة التي يمكن تسويقها، الأمر الذي أجبر الحكومة الأمريكية على استخدام احتياطي النفط الاستراتيجي.

وتميز عام 2000 بعدة أمور منها: تعدد اجتماعات ''أوبك'', وتعدد حالات الزيادة في الإنتاج, وإنشاء النطاق السعري بشكل غير رسمي، واستخدام الحكومة الأمريكية للاحتياطي الاستراتيجي. وقامت ''أوبك'' بتطبيق سياسة النطاق السعري في تشرين الأول (أكتوبر) للمرة الأولى والأخيرة, حيث زادت الإنتاج بمقدار500 ألف برميل يومياً.

وكانت ''أوبك'' قد تبنت النطاق السعري في آذار (مارس) من عام 2000. وقضت سياسة النطاق السعري بزيادة الإنتاج بشكل تلقائي بمقدار 500 ألف برميل يومياً إذا بقي متوسط سعر سلة ''أوبك'' فوق 28 دولارا للبرميل لمدة 20 يوم عمل متتالية. كما قضت بتخفيض الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يومياً إذا انخفضت الأسعار تحت 22 دولارا للبرميل لمدة عشرة أيام عمل متتالية. لكن هذه العملية تم تجاهلها كي تتمكن الدول الأعضاء من تعديل إنتاجها بناء على رغبتها، وتم إلغاء العمل بالنطاق السعري رسميا عام 2005. المفاجئ في الأمر أن ''أوبك'' لم تتبن النطاق السعري رسميا، لكنها ألغته بقرار رسمي!

كساد 2001 وحادثة سبتمبر انخفضت أسعار النفط في نهاية عام 2000، واستمرت في الانخفاض في عام 2001 بسبب عوامل أربعة هي: 1 ــ انخفاض الطلب على النفط نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط في عامي 1999 و2000. 2 ــ الكساد الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي والذي أسهم بدوره في تخفيض الطلب على النفط. 3 ــ زيادة الإنتاج من خارج ''أوبك''، خاصة من روسيا. 4 ــ حادثة 11 سبتمبر.

وجاءت ردة فعل ''أوبك'' على انخفاض الأسعار سريعا, حيث قامت بتخفيض الإنتاج ثلاث مرات, مرة في كانون الثاني (يناير) بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً, ومرة في آذار (مارس) بمقدار مليون برميل. كما قررت ''أوبك'' في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 أن تخفض الإنتاج مرة أخرى بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً بداية من كانون الثاني (يناير) 2002، على شرط أن تقوم دول خارج ''أوبك'' بتخفيض الإنتاج أيضاً بمقدار نصف مليون برميل يومياً. وأعلنت دول خارج ''أوبك'' تعاونها وقامت ''أوبك'' بالتخفيض. إلا أن حادثة 11 سبتمبر وتوابعها منعت دول ''أوبك'' وغيرها من الالتزام بالتخفيض لأسباب اقتصادية وسياسية. وتشير البيانات إلى أن دولا خارج ''أوبك'' لم تقم بأي تخفيض على الإطلاق. وكان من أهم آثار حادثة 11 سبتمبر في أسواق النفط العالمية، أنها خفضت الطلب بشكل كبير ومفاجئ على وقود الطائرات بسبب إيقاف حركة الطيران بشكل كامل في الولايات المتحدة لأيام، وانخفاض حركة الطيران بشكل عام بعد ذلك.

العوامل السياسية ترفع الأسعار عام 2002 ارتفعت أسعار النفط عام 2002 رغم انخفاض معدلات النمو الاقتصادي في الدول المستهلكة، ورغم زيادة إنتاج النفط من شتى أنحاء العالم. وتعزى أغلبية الزيادة في الأسعار إلى العوامل السياسية التي تضمنت قيام الحكومة العراقية بإيقاف الصادرات العراقية طوال نيسان (أبريل) احتجاجاً على اجتياح الجيش الإسرائيلي مخيم جنين، وإضراب عمال النفط الفنزويليين، وإجبار الرئيس الفنزويلي هيوجو شافيز على الاستقالة في انقلاب عسكري يوم 12 نيسان (أبريل)، لكن الانقلاب فشل بعد يومين وعاد شافيز إلى السلطة بعد يومين من عزله. كما تضمنت هذه العوامل الغزو الأمريكي لأفغانستان واقتناع كثير من التجار في أسواق النفط العالمية بأن الولايات المتحدة تخطط لغزو العراق.

واجتمعت ''أوبك'' في كانون الأول (ديسمبر) 2002 وقررت أن تقوم بخطوة غير مسبوقة, وهي تخفيض الإنتاج من خلال رفع السقف الإنتاجي وإيقاف تجاوز الحصص الإنتاجية في وقت واحد. وقد يتعذر فهم هذه السياسة للوهلة الأولى، لذلك لا بد من استخدام الأرقام لشرحها.

اقتنعت ''أوبك'' في نهاية عام 2002 بأنه لا بد من تخفيض الإنتاج للأسباب التالية: 1 ــ ارتفاع أسعار النفط في عام 2002 لم يكن بسبب قوى السوق، إنما بسبب عوامل سياسية مؤقتة لم تؤثر في الطاقة الإنتاجية للدول الأعضاء. 2 ــ أشارت كل التوقعات إلى تخمة في أسواق النفط العالمية في النصف الأول من عام 2003 إذا استمرت ''أوبك'' في الإنتاج نفسه, وبما أن دول ''أوبك'' كانت تتجاوز حصصها الإنتاجية بمقدار ثلاثة ملايين برميل يوميا، والتخفيض المطلوب أقل من ذلك، فإنه من المنطقي من وجهة نظر ''أوبك'' أن ترفع سقف الإنتاج عما كان عليه، وأن تطلب من الدول الأعضاء الالتزام بحصصها لأن ذلك في النهاية سيخفض الإنتاج بمقدار 1.7 مليون برميل يوميا.

خلاصة الأمر أن العوامل التي أثرت في أسعار النفط في بداية الألفية متعددة، وأغلبيتها سياسية. وعلى الرغم من قيام ''أوبك'' بالإعلان عن تخفيضات متعددة لرفع أسعار النفط، إلا أن هناك تساؤلات متعددة عما إذا كان التخفيض نتج عن جهود المنظمة أو بعض أعضائها. وهذا أمر مهم لفهم سلوك المنظمة كما سيتبين في المقالات القادمة.