بيع الوهم في الاكتتابات.. من يحاسب صانع السعر؟

16/09/2026 1
حسين بن حمد الرقيب

عندما تُطرح شركة بسعر مرتفع، ثم تتراجع أرباحها وينهار سهمها بعد الإدراج، لا يجوز اختزال القصة في عبارة: «السوق عرض وطلب». فالسعر لم يظهر من فراغ، بل بُني على تقييم أعدّه مستشار مالي، واعتمد على افتراضات وتوقعات جرى تسويقها للمستثمرين باعتبارها أساسا عادلاً لقيمة الشركة. وهنا يجب طرح السؤال بجرأة: من يحاسب المستشار المالي عندما يدفع المستثمرون ثمن تقييم مبالغ فيه؟

بعض الشركات تصل إلى الاكتتاب بعد أفضل سنواتها، فتظهر الإيرادات والأرباح في أعلى مستوياتها، وتُستخدم هذه النتائج لتبرير سعر طرح متفائل. وبعد الإدراج، تتراجع المبيعات وتنكمش الهوامش وتهبط الأرباح، فيكتشف المستثمر أنه لم يشترِ مستقبلا واعدا، بل اشترى ماضيا استثنائيا بسعر لا يعكس قدرة الشركة الحقيقية على الاستمرار.

المستشار المالي ليس ساعي بريد ينقل أرقام الشركة إلى نشرة الإصدار، ولا مندوب مبيعات تنتهي مهمته عند اكتمال التغطية. مسؤوليته المهنية تقتضي فحص جودة الأرباح، واستبعاد البنود غير المتكررة، واختبار واقعية الافتراضات، ومقارنة التقييم بشركات القطاع، وتحديد ما إذا كان النمو السابق قابلا للاستمرار أم صنع بظروف مؤقتة سبقت الطرح. أم استخدم مضاعفات مرتفعة وافتراضات نمو متفائلة لتحقيق أعلى حصيلة ممكنة للمؤسسين، ثم ترك المستثمر يواجه الهبوط، فهو يضع عدالة التقييم والمستشار المالي معا في دائرة المساءلة. والأخطر أن أتعاب المستشار ترتبط غالبا بإتمام الصفقة، ما قد يخلق تعارضا بين مصلحة المستثمر في الحصول على سعر عادل، ومصلحة الأطراف الأخرى في انتزاع أعلى تقييم ممكن. نجاح تغطية الاكتتاب عشرات المرات لا يثبت عدالة السعر؛ فقد تصنع الندرة والتسويق والمضاربة طلبا ضخما على سهم مبالغ في تقييمه. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإدراج، عندما تنكشف الأرباح الفعلية بعيدا عن العروض الترويجية.

لذلك، يجب ألا تنتهي مسؤولية المستشار المالي بقرع جرس الإدراج. ينبغي مراجعة التقييم إذا تراجعت الأرباح بصورة حادة خلال الفترات التالية للطرح، والتحقق من سلامة الافتراضات والمعلومات التي بُني عليها السعر، وإذا ثبت أن التقييم تجاهل مؤشرات واضحة أو قام على توقعات غير واقعية، فلا بد من مساءلة مهنية وإفصاح علني يحميان ثقة السوق.

من حق المؤسسين بيع حصصهم، لكن ليس من حق أحد تحميل الجمهور تقييما متضخما. فالمستشار الذي يمنح السعر المرتفع غطاء مهنيا لا يستطيع الاختباء لاحقا خلف تقلبات السوق؛ لأنه لم يكن شاهدا على الصفقة، بل كان أحد صُنّاعها والمتهم الأول عندما تتحول وعود النمو إلى خسائر.

 

نقلا عن الرياض