دخل الذهب مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، بعدما منحت بيانات التضخم الأمريكية الأسواق جرعة من التفاؤل، في الوقت الذي عادت فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى الواجهة مجددًا، وبين هذين العاملين، يواجه المعدن الأصفر اختبارًا جديدًا: هل يدعم تباطؤ التضخم الأسعار؟ أم أن ارتفاع النفط بفعل الحرب سيعيد الضغوط التضخمية، ويدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول؟
دفعة مؤقتة
بدأت الصورة تتحسن للذهب مع صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر يونيو، والتي جاءت أقل من توقعات الأسواق، فقد تباطأ التضخم السنوي إلى 3.5% مقابل توقعات عند 3.8%، بينما تراجع التضخم الأساسي إلى 2.6% مقارنة بتوقعات بلغت 2.8%.
هذه الأرقام أوحت بأن الضغوط التضخمية بدأت تنحسر، وهو ما عزز توقعات الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي قد لا يحتاج إلى تشديد السياسة النقدية بنفس القوة التي كانت متوقعة قبل أسابيع، واستجاب الذهب سريعًا لهذه البيانات، مرتفعًا بأكثر من 1.3% في جلسة 14 يوليو ليغلق عند 4055 دولارًا للأونصة، لكن هذا الصعود لم يستمر بنفس القوة.
تصريحات وارش توقف اندفاع الذهب
فبعد ساعات من صدور بيانات التضخم، جاءت شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي "كيفين وارش" أمام الكونجرس لتعيد بعض الحذر إلى الأسواق، حيث أكد وارش أن البنك المركزي لا يستطيع الاعتماد على بيانات شهر واحد فقط، مشددًا على أن معركة التضخم لم تنته بعد، وأن الاحتياطي الفيدرالي سيواصل إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار حتى لو تطلب الأمر استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
كما تجنب تقديم أي إشارة واضحة بشأن توقيت خفض أسعار الفائدة، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على التيسير النقدي السريع، بمعنى آخر، كانت بيانات التضخم داعمة للذهب، لكن تصريحات الفيدرالي حدّت من هذا الدعم.
عودة الحرب تغير المعادلة
في الوقت الذي بدأت فيه الأسواق تستوعب بيانات التضخم، تصاعدت التوترات العسكرية مجددًا بين الولايات المتحدة وإيران، وشنت القوات الأمريكية ضربات جديدة على أهداف إيرانية، بينما أعلنت طهران تشديد سيطرتها على مضيق هرمز، مع استمرار التهديدات للملاحة في البحر الأحمر.
انعكس ذلك سريعًا على سوق الطاقة، حيث ارتفع خام برنت من نحو 83 دولارًا إلى ما يقارب 91 دولارًا للبرميل خلال أيام قليلة.
صناديق الذهب تتمسك بحيازاتها
ورغم الضغوط التي تعرض لها الذهب خلال الأسابيع الأخيرة، تؤكد أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي أن المستثمرين لم يتخلوا عن الذهب رغم التقلبات، إذ بلغ صافي التخارج من صناديق الذهب المتداولة (ETFs) 0.5 طن فقط خلال الأسبوع المنتهي في 17 يوليو 2026، بينما استقرت الحيازات العالمية عند 4,044.3 طن بقيمة سوقية 521.8 مليار دولار، ويكشف توزيع التدفقات عن تباين واضح بين المناطق؛ إذ قادت أوروبا عمليات الشراء بإضافة 3.9 طن، في حين سجلت أمريكا الشمالية أكبر موجة بيع بخروج 3 أطنان، وهو ما يعكس استمرار انقسام المستثمرين بين الرهان على الذهب كملاذ آمن، وترقب مسار السياسة النقدية الأمريكية.

لماذا استقر الذهب قرب 4000 دولار؟
رغم استمرار الضغوط، أظهرت تحركات السوق خلال الأسابيع الأخيرة أن مستوى 4000 دولار للأونصة تحول إلى مستوى دعم نفسي وفني مهم، ففي كل مرة اقترب فيها الذهب من هذا المستوى ظهرت عمليات شراء قوية من المستثمرين، ما سمح للمعدن الأصفر بالارتداد سريعًا.
وفي المقابل، لا يزال مستوى 4100 - 4120 دولارًا يمثل منطقة مقاومة قوية، إذ تظهر عنده عمليات بيع مع كل موجة صعود، بسبب استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
ما الذي يحدد الاتجاه القادم؟
لم تعد الحرب وحدها هي المحرك الرئيسي للذهب، كما لم تعد بيانات التضخم وحدها كافية لتحديد الاتجاه، السوق أصبح ينظر إلى العلاقة بين أسعار النفط والتضخم والفائدة باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا.
فإذا استمر النفط في الارتفاع، فقد يعاود التضخم الصعود خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يمنح الفيدرالي مبررًا للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، الأمر الذي قد يحد من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب كبيرة رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.
أما إذا هدأت الأوضاع في الشرق الأوسط وتراجعت أسعار النفط، مع استمرار تباطؤ التضخم الأمريكي، فستبدأ الأسواق في تقليص توقعات الفائدة المرتفعة، وهو السيناريو الأكثر دعمًا للذهب.
ولهذا، فإن المرحلة الحالية لا تتطلب متابعة أخبار الحرب فقط، بل تتطلب أيضًا مراقبة كيفية انعكاسها على التضخم الأمريكي، لأن هذا هو العامل الذي سيحدد في النهاية اتجاهات الاحتياطي الفيدرالي، ومن ثم الاتجاه القادم للذهب.

صورة توضح العلاقة بين الذهب والنفط
خاص_الفابيتا


