ما أغفله تقرير بلومبيرغ عن السوق المالية السعودية

21/06/2026 0
محمد بن فيصل أبو خالد

في 11 يونيو 2026م، نشرت وكالة بلومبيرغ تقريراً، تداولته الأوساط المالية على نطاقٍ واسعٍ محلياً وإقليمياً ودولياً، تحت عنوان (Saudi IPO Delay Is Another Setback for the Lagging Stock Market)، أي (تأجيل طرحٍ عامٍّ أوّليٍّ سعوديٍّ يمثّل انتكاسةً جديدة لسوق الأسهم المتباطئة)، بنى على تأجيل طرحٍ أوّليٍّ واحد، وأداءٍ نسبيٍّ دون المؤشر العالمي، حكماً عريضاً على السوق المالية السعودية. لا تكمن الإشكالية في كثيرٍ من أرقام التقرير، وإنما في طريقة تأطيرها والاستنتاج الواسع الذي بُني عليها. فالأرقام الصحيحة لا تصنع بالضرورة قراءةً صحيحة؛ فالفارق بين الحالتين هو الفارق بين أن ترى لحظةً عابرة، وأن تفهم مساراً. ومن هنا، فإن ما أغفله التقرير لا يقلّ دلالةً عمّا أورده.

أشار التقرير إلى أنّ مؤشر تاسي ارتفع نحو 5% منذ مطلع العام، وأنّ هذا الارتفاع دون المؤشر العالمي رغم أسعار النفط. والملاحظة دقيقةٌ في رقمها، خاطئةٌ في تأطيرها من ثلاثة محاور. أولها أن قياس سوقٍ يقودها قطاعا البنوك والطاقة بمؤشرٍ عالميٍّ تقوده شركات التقنية الكبرى في ذروة دورة الذكاء الاصطناعي، قياسٌ مع الفارق في جوهر التركيبة لا في درجة الأداء؛ فما يُقاس ليس ضعفَ سوقٍ، بل تباينَ بنيتين. وثانيها أن (السنوات الأربع) التي يلوّح بها التقرير سبقها تفوّقٌ سعوديٌّ لافت في 2021-2022م، وما تلاها إعادةُ تسعيرٍ طبيعية بعد ذروة الطفرة النفطية ودورة رفع الفائدة العالمية التي ضغطت على الأسواق الناشئة قاطبةً، لا تراجعٌ يخصّ المملكة. وثالثها أن ربط وفرة النفط بضعف المؤشر يفترض انعكاساً آلياً لا وجود له؛ فأثر الأسعار المرتفعة يتسرّب أولاً إلى المالية العامة، والصندوق السيادي، والإنفاق الرأسمالي، قبل أن يبلغ تسعير الأسهم، لا سيّما حين يرافق الارتفاعَ اضطرابُ إمدادٍ وعدمُ يقينٍ جيوسياسي.

أما الطرح المؤجَّل الذي بنى عليه التقرير عنوانه، فالأمانة تقتضي تسميته: طرح (شركة مطلق الغويري للمقاولات)، الذي تأجَّل بسبب التوقيت المتزامن مع الحرب الأمريكية-الإيرانية. وهنا مكمن المغالطة؛ فحين يكون سبب التأجيل ظرفاً حربياً إقليمياً، يصبح التأجيل بحكم تعريفه صدمةً خارجيةً عابرة، لا حكماً على عمق السوق ولا على جاذبيتها. والشركة التي تنتظر نافذةً أكثر استقراراً لطرح أسهمها تتصرّف برشدٍ لا بضعف. بل إن السياق نفسه بدأ ينقلب لصالح الرواية المعاكسة: ففي منتصف يونيو 2026م أُعلن عن اتفاقٍ مبدئيٍّ لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. وهكذا يتحوّل العامل الذي ساقه التقرير دليلاً على التعثّر إلى عاملٍ خارجيٍّ في طريقه إلى الزوال؛ وزوالُه هو شرطُ عودة الزخم لا نقيضه.

ولمن يظنّ التباطؤ بنيةً لا دورة، تكفيه أرقام السنة السابقة: ففي 2025م طُرح نحو (13) شركةً وصندوقاً بقيمةٍ قاربت (14.5) مليار ريال نحو (3.9) مليار دولار)، وارتفع عدد الشركات المتداولة في السوق الرئيسية إلى (268) شركة، بقيمة تقارب (10) تريليون ريال سعودي (2.6) تريليون دولار. هذه ليست سوقاً متعثرة، بل سوقٌ كبيرةٌ تمرّ بدورةٍ انتقائيةٍ طبيعية فرضها ظرفٌ استثنائي.

ثم يأتي ملف المستثمر الأجنبي، الذي عالجه التقرير كأنه نقطةُ ضعفٍ مزمنة، وهو في الحقيقة أبرزُ شواهد القوة. فمنذ الأول من فبراير 2026م، فتحت هيئة السوق المالية السوقَ أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب للاستثمار المباشر، فألغت إطار (المستثمر الأجنبي المؤهَّل) واتفاقيات المبادلة التي ظلّت تقيّد الوصول منذ عام 2015م. وهذه ليست وعداً مؤجَّلاً، بل بُنيت على أرضٍ صلبة: إذ تجاوزت ملكية المستثمرين الدوليين (590) مليار ريال نحو (157) مليار دولار بنهاية الربع الثالث 2025م، منها نحو (519) مليار ريال، ما يقارب (138) مليار دولار  في السوق الرئيسية. وهو إصلاحٌ يصبّ مباشرةً في مسار رفع وزن السوق داخل المؤشرات العالمية الكبرى، بما يمهّد لتدفقاتٍ مؤسسيةٍ أوسع. فالسوق تنطلق من حضورٍ أجنبيٍّ راسخ، يوسّعه إصلاحٌ يقتلع القيود من جذورها. وأن يُقاس أثرُ إصلاحٍ بهذا الحجم بعد أشهرٍ معدودة، وفي خضمّ ظرفٍ إقليميٍّ ضاغط، حكمٌ سابقٌ لأوانه بكل المقاييس.

والحقيقة أن الاقتصاد السعودي يتقدّم أسرع من تركيبة مؤشره. صحيحٌ أن المؤشر ما زال يميل إلى البنوك والطاقة والمواد الأساسية، لكن الأنشطة غير النفطية باتت تشكّل نحو 70% من الناتج المحلي شاملةً النشاط الحكومي، فيما بلغت مساهمة القطاع الخاص نحو 51%، وهي العلامة الأدقّ على عمق التنويع لا مجرد اتساعه.

ولعلّ أبلغ ردٍّ على التقرير يأتي من (المنظمات الدولية) التي تُتَّهم عادةً بالتشدّد لا بالمجاملة. فوكالة التصنيف الائتماني (ستاندرد آند بورز) ثبّتت تصنيف المملكة عند A+ بنظرةٍ مستقبليةٍ مستقرة في مارس 2026م، معلِّلةً ذلك بمرونة المالية العامة، وبقدرة المملكة على تحويل مسارات التصدير من خلال خط الأنابيب شرق-غرب، وموانئ البحر الأحمر، إلى جانب مخزونات أرامكو الخارجية، وبزخم النمو غير النفطي، مع توقّع نموٍّ حقيقيٍّ قدره 4.4% لعام 2026م. أما صندوق النقد الدولي فما انفكّ ينوّه بما يوفّره انخفاضُ الدين العام ووفرةُ الاحتياطيات وحجمُ الصندوق السيادي من هوامش حمايةٍ للاقتصاد. والمفارقة لافتة: فالعاملان اللذان جعلهما التقرير قرينةَ ضعف  (اضطرابُ الإمداد، وأثرُ النفط) هما ركائز ما تعدّه هذه الجهات مصدرَ مرونةٍ لا هشاشة.

وتبقى نقطةٌ يغفلها التقرير وهي الأهم: أن المملكة ليست مجرد سوقٍ ناشئةٍ تتنافس على تدفقات المحافظ، بل طرفٌ يشارك في صياغة قواعد النظام المالي الدولي. فهي عضوٌ فاعلٌ في مجموعة العشرين، وحاضرةٌ في ملفات إصلاح بنوك التنمية المتعددة الأطراف، وتعزيز شبكة الأمان المالي العالمي، وإدارة تدفقات رأس المال، ومعالجة أعباء ديون الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل. بل إن  معالي وزير المالية يرأس (اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في صندوق النقد الدولي)، وهي أرفع هيئةٍ استشاريةٍ في الصندوق. ومن يقرأ سوقاً بهذا الموقع من خلال طرحٍ مؤجَّلٍ أو أداءٍ أسبوعيٍّ للمؤشر، يقرأ السطح ويغفل العمق.

وليس في هذا إنكارٌ للتحديات؛ فثمة ملفاتٌ حقيقيةٌ تستحق العمل، من تعميق سوق الدين إلى تطوير الإفصاح بالإنجليزية، تتقدّمها مؤسسات المملكة بالمعالجة لا بالتجاهل؛ وكان آخرها مطالب مجلس الشورى، في جلسته المنعقدة في 17 يونيو 2026م بشأن التقرير السنوي لهيئة السوق المالية للعام المالي 1446–1447هـ، حيث طالب الهيئة بتطوير إطارٍ تنظيميٍّ ورقابيٍّ استباقيٍّ يحدّ من هيمنة التدفقات قصيرة الأجل ويحفّز الاستثمار المؤسسي طويل الأجل، ويعالج تركّز السيولة وضعف عمق التداول خارج الأسهم القيادية، وبإدارة مخاطر تدفقات الاستثمار الأجنبي بما ينسجم مع قدرة السوق على استيعابها، وبإجراء دراساتٍ دوريةٍ لأداء الطروحات الأولية بعد الإدراج وقياس أثرها في حماية المستثمر وكفاءة السوق وفق أفضل الممارسات الدولية. فالملفات التي يرصدها التقرير من خارج السوق، تتولّاها أدوات الحوكمة من داخلها، يقظةٌ استباقية لا اعترافُ ضعف. ومن هنا يفقد النقد توازنه حين يقفز من رصد فجوةٍ بعينها إلى حكمٍ عريضٍ على سوقٍ تقارب قيمتها السوقية (10) تريليون ريال، نحو (2.6) تريليون دولار، استناداً إلى دورةٍ ظرفيةٍ فرضتها صدمةٌ بدأت تنحسر.

الخلاصة أن السوق السعودية تعبر مرحلةً انتقالية بين قوة اقتصادها الحقيقي وسرعة انعكاس هذه القوة في مؤشرها وقاعدة مستثمريها؛ مرحلةٌ يُسرّعها انفراجُ الصدمة الإقليمية واكتمالُ أثر الإصلاحات. أما أن تُقاس سوقٌ أصبحت جزءاً من البنية المالية الدولية بلحظة ضغطٍ واحدة، فتلك قراءةٌ ناقصة. وما أغفله تقرير بلومبيرغ يلخّص المسألة كلّها: أرقامٌ صحيحة، وحكمٌ أوسعُ بكثيرٍ مما تحتمله.

 

خاص_الفابيتا