تداعيات حرب أميركا على إيران عديدة من حيث ارتفاع التضخم عالميًا تبعًا لتحليق أسعار النفط بأكثر من 60 بالمائة بالمتوسط إضافة لما خلفته الحرب من إضعاف عميق لاقتصاد إيران وتأثيرات عديدة على مختلف دول المنطقة بنسب متفاوتة وكذلك على جل دول العالم إلا أن أهم ما ظهر بهذه الأزمة هو استغلال مضيق هرمز من قبل إيران وتحويله لسلاح اقتصادي كمحاولة لتخفيف الضغط العسكري عليها من قبل أميركا والذي يعد الممر المائي الطبيعي الأهم بالعالم نظرًا لحجم التجارة الدولية التي تعبر منه ونوعية الصادرات المهمة جدًا والمتمثلة بقرابة 20 بالمائة من استهلاك النفط العالمي إضافة للمنتجات البتروكيماوية والغاز المسال والأسمدة والمعادن والمشتقات النفطية والعديد من السلع التي تمثل عصب الصناعة العالمية إضافة للواردات الضخمة للمنطقة من مختلف دول العالم.
وبما أن كل أزمة كبرى تفرض توجهًا جديدًا للدول إما لإغلاق ثغرات ظهرت بها أو لاكتشاف فرص جديدة بقطاعات أصبح لها أهمية أو أن قطاعات كانت قائمة لكن التوجه لها سيزداد لأنها أصبحت ذات أولوية وأهمية أكبر من السابق فقد حدث ذلك بعد الأزمة المالية العالمية وكذلك بعد جائحة كورونا من توجهات لتطوير قطاعات مالية وخدمية وصناعية وتقنية عديدة بالشرق الأوسط والعالم عمومًا، أما في هذه الأزمة التي مثلت أخطر ما واجه اقتصاد العالم بسبب أزمة الطاقة التي خلفتها الحرب فإن استخدام مضيق طبيعي كسلاح في حرب وهو الخاضع لأنظمة الأمم المتحدة للممرات المائية الطبيعية أي التي أوجدتها عوامل لا علاقة للبشر أو الدول بها كحفر القنوات المائية مثل السويس وبنما فتوظيف إقفاله كأداة أو سلاح يعد تطورًا خطيرًا ويستوجب ليس فقط رفض أي تحرك يعيق التجارة عبره، بل الأهم إبطال فاعليته منعًا لاستغلاله مستقبلًا.
ولذلك ظهرت أهمية تنوع طرق وخرائط ووسائل سلاسل الإمداد وقد قدمت السعودية درسًا مهمًا في قوة واستباقية تخطيطها الاستراتيجي منذ عقود لتفادي أي أزمات تحد من نشاط الاقتصاد الوطني، فأنشأت خط أنابيب شرق غرب الذي أصبح الشريان الأهم لصادراتها النفطية طوال هذه الأزمة إضافة لموانئها العديدة والضخمة بحجم إمكانياتها على ساحل البحر الأحمر والتي تعد مسؤولةً عن 64 بالمائة من النشاط التجاري للمملكة عبر الموانئ إضافة لشبكة الطرق الحديثة والقطارات للشحن وكذلك أسطولها البحري العملاق بعدد سفنه وأحجامها إضافة لمراكز تخزين النفط المنتشرة عالميًا بقرب أهم الأسواق، وكذلك الانتشار الواسع للمطارات الدولية والإقليمية والمحلية بمختلف مدن المملكة وبعدد كبير مع جاهزيتها للاستخدام بكل الأنشطة، سواء نقل الركاب أو الشحن وهو ما يعد ركيزة أساسية يمكن تكاملها مع دول الشرق الأوسط سواء في الخليج العربي وشمالًا للأردن وسوريا وأوروبا وغربًا لمصر وأفريقيا وشرقًا لآسيا.
أما ما حدث فعليًا فهو إعلان قادة دول مجلس التعاون الخليجي على إكمال المشاريع المهمة التي تربط خطوط التجارة بين دول المجلس مثل شبكة القطارات وذلك في اجتماعهم المنعقد بجدة منذ شهرين تقريبًا إضافة لتوقيع إنشاء خط حديدي بين السعودية وتركيا يعبر سوريا والأردن كما أكدت الكويت أن لديها توجهًا لتعزيز مرونة طرق صادراتها النفطية، إضافة لأهم جانب يدعم نجاح هذه التوجهات الجديدة بطرق سلاسل الإمداد وهو وجود بدائل حقيقية ومجدية تقلل كثيرًا من أهمية مضيق هرمز، سواء عبر سواحل المملكة غربًا أو شمالًا باتجاه دول بلاد الشام إلى تركيا أو لأوروبا عبر نيوم مرورًا بمصر إضافة لسواحل عُمان، خصوصًا أن الطريق البري الذي يربطها مع المملكة اكتمل، وإذا ربطت كذلك بخط حديدي ضمن الشبكة الخليجية المزمع تنفيذها فإن مسارات التجارة الخليجية مع العالم ستتغير بشكل دائم ليصبح المضيق محدود القيمة والأهمية.
قال بنك «جولدمان ساكس» وهو أحد أكبر المؤسسات المالية العالمية بأن تعافي تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قد لا تتجاوز 70 بالمائة من مستويات ما قبل الحرب ويتوقع أن تصبح هذه النسبة هي 100 بالمائة الجديدة مشيرًا إلى لجوء بعض المنتجين إلى مسارات شحن بديلة، أي أن التصدير عبر المضيق بدأ فعليًا بالتقلص وستزيد نسب توزيع الصادرات من مختلف السلع والمنتجات عبر طرق بديلة سنويًا فلا يمكن رهن نشاط اقتصاد الدول لممر مائي أو مسار واحد للتجارة، فحتى لو لم يكن السبب حروبًا أو استغلالًا سياسيًا فقد تحدث كوارث طبيعية تعطل التجارة عبره.
ومن هنا، فإن هذه الأزمة أنهت أي تأخر أو تأنٍ كان سابقًا في تعدد مسارات التجارة الخليجية مع العالم ليصبح التوجه لهذا التنوع ضرورة واستراتيجية قادمة بدأ يعلن عن المشاريع التي ستبنى عليها خريطة سلاسل الإمداد الجديدة بالمنطقة.
نقلا عن الجزيرة


