لماذا تفشل الشركات؟

15/06/2026 0
راضي الحداد

خلال عملي الاستشاري، لاحظت نمطًا يتكرر بصورة لافتة في كثير من الشركات، خصوصًا الشركات العائلية أو الشركات التي أسسها أشخاص يمتلكون خبرة فنية أو تشغيلية عميقة في مجال معين. هؤلاء المؤسسون غالبًا يعرفون المنتج جيدًا، ويفهمون تفاصيل التشغيل اليومية، ويمتلكون قدرة عالية على إدارة النشاط من الناحية الفنية، لكن شركاتهم مع ذلك تتعثر أو تتوقف عن النمو، وأحيانًا تنهار بالكامل.

المشكلة في الغالب لا تكمن في ضعف الجهد أو نقص المعرفة الفنية، بل في الخلط بين “إدارة النشاط” و”إدارة الشركة”. فنجاح النشاط تشغيليًا لا يعني بالضرورة وجود شركة قادرة على الاستمرار والنمو والمنافسة. هناك فرق كبير بين شخص يعرف كيف يبيع منتجًا أو يدير مشروعًا، وبين شخص يبني مؤسسة تمتلك استراتيجية، وهيكلًا تنظيميًا، ونظام رقابة، وآليات لاتخاذ القرار وإدارة المخاطر.

وقد رأيت حالات عديدة كان فيها المدير التنفيذي يمتلك خبرة تشغيلية ممتازة، لكنه يدير الشركة بعقلية “المشرف التشغيلي” لا بعقلية “قائد المؤسسة”. فتتحول الشركة مع الوقت إلى كيان يعتمد بالكامل على اجتهادات فردية وردود أفعال يومية، بدل أن تعمل وفق نظام مؤسسي واضح. ومن الملاحظ أيضًا في كثير من هذه الشركات أن الكيان يصبح مرتبطًا بشخص المؤسس أو المدير التنفيذي بصورة كاملة؛ فهو من يملك المعرفة، ويتخذ معظم القرارات، ويدير العلاقات الرئيسية، ويتابع التفاصيل التشغيلية بنفسه. وقد ينجح هذا النموذج في المراحل الأولى من عمر الشركة، لكنه مع التوسع يتحول إلى أحد أكبر مصادر الضعف المؤسسي، لأن الشركة تصبح معتمدة على فرد بدل أن تعتمد على نظام.

وهذه الفكرة تتقاطع مع ما أشار إليه أستاذ التمويل والتقييم في جامعة نيويورك، البروفسور Aswath Damodaran، عندما ذكر أن كل مرحلة من مراحل نمو الشركة تحتاج إلى نوع مختلف من القيادات التنفيذية. فالرئيس التنفيذي الذي ينجح في مرحلة التأسيس وريادة الأعمال، ليس بالضرورة هو الشخص الأنسب لقيادة الشركة في مرحلة التوسع المؤسسي أو التحول الاستراتيجي. فمع نمو الشركة، تتغير طبيعة التحديات؛ إذ تنتقل من التركيز على البقاء وتحقيق المبيعات إلى الحاجة لبناء الأنظمة، والحوكمة، والهيكل التنظيمي، وإدارة المخاطر، وتطوير القيادات، والتعامل مع تعقيدات السوق والمنافسة. ولهذا فإن بعض الشركات تتعثر ليس بسبب ضعف المنتج أو السوق، بل لأن نموذج القيادة لم يتطور بالسرعة التي تطورت بها الشركة نفسها.

المؤسسة الحقيقية يجب أن تكون أقوى من الأفراد، وقادرة على الاستمرار حتى مع تغير القيادات أو توسع الأعمال أو مواجهة الأزمات. فالشركات المستدامة لا تُبنى على الجهد الفردي فقط، بل على الحوكمة، وتوزيع الصلاحيات، وبناء القيادات، ووجود أنظمة واضحة تضمن استمرارية المعرفة واتخاذ القرار وتنفيذ الاستراتيجية بصورة مؤسسية مستقرة.

في إحدى الشركات التي قدمنا لها خدمات استشارية، اكتشفنا غيابًا كاملًا لإدارة التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر، رغم أن الشركة كانت تنفذ مشاريع كبيرة وتتعامل مع التزامات مالية وتشغيلية معقدة. الإدارة كانت تركّز على التشغيل وتحقيق الإيرادات، لكنها لم تدرك أن نمو الأعمال دون وجود منظومة رقابية فعالة يرفع احتمالية الأخطاء والتجاوزات وضعف كفاءة اتخاذ القرار. وبعد إنشاء إطار للحوكمة وتفعيل وظائف التدقيق الداخلي والمخاطر، بدأت الإدارة ترى الأعمال بطريقة أكثر نضجًا ووضوحًا، وأصبح اتخاذ القرار مبنيًا على معلومات وتحليلات لا على الحدس فقط. وهنا تظهر حقيقة مهمة، وهي أن كثيرًا من الشركات لا تتعثر بسبب مشكلة واحدة كبيرة، بل بسبب تراكم مشكلات صغيرة لم تكن هناك منظومة رقابية قادرة على اكتشافها مبكرًا.

وفي شركة أخرى، كان المالك يعتقد أن “التسويق” يعني فقط البيع وتحقيق الإيرادات، بينما كانت الشركة تفتقد فعليًا لأي وظيفة تسويقية حقيقية. لم يكن هناك فهم للسوق، ولا دراسة للعملاء، ولا بناء للعلامة التجارية، ولا تحليل للمنافسين. كانت الشركة تعتمد على العلاقات والجهد البيعي المباشر فقط. وبعد إنشاء قسم تسويق مستقل ووضع استراتيجية واضحة لفهم العملاء وتحديد الموقع التنافسي للشركة، بدأت النتائج تتحسن بصورة ملحوظة، ليس فقط على مستوى المبيعات، بل على مستوى استدامة النمو وجودة العملاء. وهنا يتضح الفرق الجوهري بين البيع والتسويق؛ فالبيع يركز على تحقيق الإيراد اليوم، بينما يبني التسويق قدرة الشركة على الاستمرار والمنافسة مستقبلًا.

وفي حالة أخرى، كانت الشركة تعمل منذ سنوات دون استراتيجية واضحة أو مؤشرات أداء فعلية. كانت الإدارة تناقش الانطباعات أكثر مما تناقش البيانات، وتقيّم الأداء بناءً على الشعور العام لا على نتائج قابلة للقياس. وعندما قمنا ببناء استراتيجية واضحة وربطها بمؤشرات أداء رئيسية، ثم أوكلنا لمجلس الإدارة متابعة هذه المؤشرات بصورة دورية، تغيرت طريقة إدارة الشركة بالكامل. أصبحت القرارات أكثر موضوعية، وتحولت اجتماعات المجلس من مناقشات عامة إلى مراجعات استراتيجية مبنية على الأرقام والنتائج والانحرافات عن المستهدفات. كما أصبحت الإدارة أكثر قدرة على اكتشاف المشكلات مبكرًا وربط الأداء التنفيذي بالأهداف الاستراتيجية للشركة.

هذه الحالات تعكس مشكلة شائعة في كثير من الشركات، وهي الاعتقاد أن الخبرة التشغيلية وحدها تكفي لبناء شركة ناجحة. بينما الواقع يؤكد أن الشركات المستدامة لا تُبنى فقط على المعرفة الفنية، بل على مجموعة متكاملة من القدرات المؤسسية تشمل التخطيط الاستراتيجي، وبناء الهياكل التنظيمية، والحوكمة والرقابة، وإدارة المخاطر، وتطوير القيادات، وبناء الثقافة المؤسسية، وإدارة الأداء، وفهم ديناميكية السوق والمنافسة.

وقد رأينا عالميًا شركات كبرى امتلكت منتجات قوية وخبرات تشغيلية متقدمة لكنها فشلت بسبب ضعف الإدارة المؤسسية. شركة Kodak مثلًا كانت رائدة عالميًا في التصوير، لكنها فشلت في التعامل مع التحول الرقمي لأنها لم تطور نموذج أعمالها واستراتيجيتها بالشكل المناسب. وشركة Nokia امتلكت تفوقًا تشغيليًا وتقنيًا هائلًا، لكنها تأخرت في فهم تغيرات السوق وطبيعة المنافسة الجديدة، ما أدى إلى فقدان موقعها القيادي. وفي المقابل، نرى شركات نجحت ليس فقط بسبب منتجاتها، بل بسبب قدرتها على بناء أنظمة مؤسسية قوية قادرة على التكيف واتخاذ القرار وإدارة النمو.

إن بناء شركة ناجحة لا يعتمد فقط على وجود منتج جيد أو مدير تنفيذي خبير بالتشغيل، بل على القدرة على تحويل النشاط إلى “مؤسسة” تمتلك رؤية واضحة، وهيكلًا فعالًا، وآليات للرقابة، وثقافة أداء، وقدرة مستمرة على التعلم والتكيف مع السوق.

ولهذا فإن أحد أهم التحولات التي تحتاجها كثير من الشركات هو الانتقال من عقلية “إدارة الأعمال اليومية” إلى عقلية “بناء المؤسسة”. وهذا التحول غالبًا لا يتحقق بالاجتهاد الفردي وحده، بل يحتاج إلى حوكمة، واستراتيجية، وفريق قيادي متكامل، ومجلس إدارة يمارس دوره الحقيقي في التوجيه والرقابة.

 

خاص_الفابيتا