من هرمز إلى ينبع.. كيف حافظت المملكة على تدفق النفط وسط أجواء الحرب؟

07/06/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش واحدة من أكثر الفترات حساسية على المستوى السياسي والعسكري، كان الاقتصاد السعودي يرسل رسالة مختلفة تمامًا. فبينما اتجهت أنظار العالم إلى التوترات المتصاعدة ومخاطر الحرب واضطرابات التجارة والطاقة، أظهرت الأرقام السعودية أن المملكة ما زالت تمتلك اقتصادًا قادرًا على التعامل مع الأزمات بكفاءة عالية، بل وتحقيق نتائج قوية في أصعب الظروف.

الأسواق العالمية عادةً لا تحب التوترات الجيوسياسية. أي اضطراب في الممرات البحرية أو إمدادات الطاقة ينعكس سريعًا على حركة التجارة والتأمين والشحن وأسعار السلع. لذلك كان من الطبيعي أن تسود حالة من القلق في الأسواق مع تصاعد الأحداث الأخيرة في المنطقة، خصوصًا مع الحديث المتكرر عن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات النفطية في العالم. في المقابل، بدت السعودية أكثر استعدادًا من غيرها للتعامل مع هذه الظروف، ليس كردة فعل مؤقتة، وإنما نتيجة سنوات طويلة من بناء البنية التحتية وتطوير منظومة الطاقة والخدمات اللوجستية. ومن أبرز العناصر التي عززت هذا الاستقرار وجود خط أنابيب النفط شرق-غرب، الذي يُعد من أهم الأصول الاستراتيجية في قطاع الطاقة السعودي. هذا الخط منح المملكة قدرة كبيرة على نقل وتصدير النفط عبر البحر الأحمر بعيدًا عن أي مخاطر قد تؤثر على الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما وفر مرونة عالية في استمرار الإمدادات للأسواق العالمية حتى مع تصاعد التوترات.

برأيي، هذه النقطة تحديدًا تكشف جانبًا مهمًا من طريقة التفكير الاستراتيجي السعودي خلال السنوات الماضية. فالدول لا تختبر قوة مشاريعها في الظروف الطبيعية، بل تظهر قيمة هذه المشاريع وقت الأزمات. وعندما تمتلك دولة خيارات متعددة في النقل والتصدير والطاقة، فإن قدرتها على امتصاص الصدمات تصبح أعلى بكثير.

وفي جانب آخر، يبدو واضحًا أن المملكة تتحرك بخطوات متسارعة لتحويل نفسها إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات. هذا التوجه لم يعد مجرد خطط نظرية، بل أصبح يظهر بشكل واضح في حجم الاستثمارات والمشاريع المرتبطة بالموانئ والمناطق الصناعية وشبكات النقل والخدمات البحرية.

الأرقام الصادرة مؤخرًا عن الهيئة العامة للإحصاء حملت مؤشرات مهمة تعكس هذه القوة. فقد ارتفعت الصادرات النفطية السعودية خلال مارس 2026 إلى أكثر من 92.5 مليار ريال، مقارنة بنحو 66.1 مليار ريال في يناير من العام نفسه، بزيادة تجاوزت 39%. وفي الوقت نفسه، قفز الميزان التجاري السعودي من نحو 17.5 مليار ريال في يناير إلى أكثر من 57.4 مليار ريال في مارس، وهي قفزة كبيرة خلال فترة قصيرة، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار الظروف الجيوسياسية والاقتصادية التي كان يمر بها العالم خلال تلك الفترة.

كما أن ارتفاع الميزان التجاري لا يعني فقط زيادة الإيرادات النفطية، بل يعكس أيضًا قوة التدفقات النقدية وكفاءة إدارة التجارة الخارجية والقدرة على الاستفادة من المتغيرات العالمية. وهذه العوامل تمنح الاقتصاد مرونة أعلى في مواجهة التقلبات، سواء على مستوى أسعار الطاقة أو حركة الأسواق العالمية. ورغم أن النفط ما يزال يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد السعودي، فإن الصورة اليوم تختلف كثيرًا عن السابق. فالمملكة لم تعد تعتمد فقط على تصدير النفط الخام، بل تعمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا من خلال الاستثمار في قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والتقنية والطاقة المتجددة والتعدين والخدمات المالية.

كما أن المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم، سواء في البنية التحتية أو المدن الجديدة أو القطاع الصناعي، لعبت دورًا مهمًا في تعزيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص استثمارية واسعة. وهذا التنوع لم يظهر فجأة، بل جاء نتيجة سنوات طويلة من العمل وإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع كفاءة الإنفاق والاستثمار في القطاعات المستقبلية.

وربما هذا ما يفسر قدرة الاقتصاد السعودي اليوم على التعامل مع الأزمات العالمية بصورة أفضل مقارنة بفترات سابقة. ففي السابق، كانت التقلبات النفطية أو التوترات الجيوسياسية تنعكس بشكل أسرع على النشاط الاقتصادي، أما اليوم فالصورة تبدو أكثر توازنًا نتيجة اتساع القاعدة الاقتصادية وارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية.

كما أن استمرار الإنفاق على المشاريع الاستراتيجية، بالتزامن مع المحافظة على الاستقرار المالي، يعكس قدرة الاقتصاد السعودي على تحقيق توازن مهم بين النمو والاستدامة، وهي نقطة تراقبها الأسواق العالمية وصناديق الاستثمار بشكل دائم. وفي اعتقادي، فإن ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بأرقام صادرات أو فائض تجاري، بل يعكس تحولًا أعمق في بنية الاقتصاد السعودي وطريقة إدارته للأزمات والمتغيرات العالمية. فالمملكة لم تعد تتحرك بمنطق ردود الفعل المؤقتة، وإنما وفق رؤية طويلة المدى تستهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على المنافسة عالميًا.

تؤكد أرقام مارس 2026 أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر قدرة على حماية مكتسباته والتعامل مع الأزمات العالمية بثقة أعلى. كما تؤكد أن الاستثمارات الضخمة التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية في الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية لم تكن مجرد مشاريع تنموية تقليدية، بل كانت جزءًا من بناء اقتصاد يستطيع الاستمرار والنمو حتى في أكثر الفترات تعقيدًا. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تحافظ المملكة على مكانتها كمصدر موثوق للطاقة وشريك رئيس في التجارة العالمية.

 

نقلا عن الرياض