يقع الكثير من الناس في فخ ما يُعرف بـ تحيز الإطار (Framing Bias)، وهو أحد أشهر التحيزات السلوكية التي تؤثر على قراراتنا اليومية والاستثمارية. ويحدث هذا التحيز عندما يتغير قرارنا بناءً على طريقة عرض المعلومة، رغم أن جوهر المعلومة نفسها لم يتغير.
بمعنى آخر، قد تتخذ قرارين مختلفين تمامًا تجاه نفس الأمر، فقط لأن طريقة تقديمه اختلفت.
لنأخذ مثالًا من حياتنا اليومية.
أثناء جولة تسوق، قد يلفت انتباهك إعلان يقول: "اشترِ قطعة واحصل على الأخرى مجانًا." غالبًا ما يعتقد الكثيرون أن هذا العرض يعادل خصمًا بنسبة 50%، لكن الواقع ليس كذلك دائمًا.
لنفترض أن سعر القطعة الأولى 1,000 ريال، وسعر القطعة الثانية 500 ريال. وكما هو معتاد في هذه العروض، يدفع العميل ثمن القطعة الأعلى سعرًا ويحصل على الأقل سعرًا مجانًا.
في هذه الحالة، سيدفع العميل 1,000 ريال مقابل منتجات تبلغ قيمتها الإجمالية 1,500 ريال، أي أن الخصم الفعلي يساوي 500 ريال من أصل 1,500 ريال، أو ما يعادل 33.3% فقط. أما إذا كان سعر القطعتين متساويًا، وليكن 1,000 ريال لكل منهما، فإن الخصم الفعلي يصبح 50%.
المشكلة ليست في العرض نفسه، بل في الطريقة التي عُرضت بها المعلومة. فعندما يسمع المستهلك كلمة "مجانًا"، يركز على المكسب الظاهر، ويتجاهل حساب الخصم الفعلي.
ولا يقتصر هذا التحيز على قرارات الشراء فقط، بل يظهر بشكل أكبر في عالم الاستثمار.
فقد تعلن إحدى الشركات أن أرباحها ارتفعت بنسبة 25% مقارنة بالعام السابق، فينجذب المستثمر إلى الخبر ويعتبره مؤشرًا إيجابيًا على أداء الشركة. لكن عند التعمق في القوائم المالية قد يكتشف أن هذه الزيادة جاءت نتيجة بيع أصل أو استثمار استثنائي لمرة واحدة، بينما تراجعت الأرباح التشغيلية الناتجة عن النشاط الأساسي للشركة.
في هذه الحالة، لم تكن المشكلة في صحة المعلومة، فالأرباح بالفعل ارتفعت بنسبة 25%، ولكن طريقة عرض الخبر دفعت المستثمر إلى التركيز على الرقم الإيجابي دون النظر إلى مصدره وجودته.
وينطبق الأمر ذاته على المنتجات المصرفية والتمويلية.
فقد وصلتني رسالة من أحد البنوك تعرض إمكانية الحصول على قرض نقدي بقيمة 100 ألف جنيه من خلال بطاقة الائتمان، مع سداد المبلغ على 12 شهرًا بقسط شهري يبلغ 9,879 جنيهًا.
وللوهلة الأولى، قد يظن البعض أن تكلفة التمويل تعادل نحو 18.5% فقط، باعتبار أن إجمالي المبالغ المسددة يزيد بنحو 18.5 ألف جنيه عن أصل القرض. لكن عند حساب معدل الفائدة الفعلي، نجد أنه يقترب من 33% سنويًا، وهو أعلى بكثير من الانطباع الأول الذي تعكسه الرسالة الإعلانية، بل وأعلى من سعر الإقراض المعلن لدى البنك نفسه.
مرة أخرى، لم تكن الأرقام خاطئة، ولكن طريقة عرضها هي التي خلقت انطباعًا مختلفًا عن الحقيقة الاقتصادية.
لذلك، فإن أحد أهم المهارات التي يجب أن يمتلكها المستثمر هو القدرة على تجاوز العناوين والرسائل التسويقية والبحث عن جوهر المعلومة. فالأرقام لا تكذب عادةً، لكن طريقة عرضها قد تقودنا إلى استنتاجات مضللة.
في الاستثمار كما في الحياة، لا يكفي أن تعرف المعلومة، بل يجب أن تتأكد من أنك تنظر إليها من الزاوية الصحيحة. فطريقة عرض الأرقام قد تغير انطباعك، لكنها لا تغير الحقيقة.
خاص_الفابيتا


