شركات تكافئ سنوات العطاء بخطاب استغناء

15/07/2026 0
حسين بن حمد الرقيب

مع أول أزمة، أو حتى عند أول رغبة في تحسين الأرقام، تكتشف بعض الشركات أن أسهل بند يمكن العبث به هو الموظف. ليس لأن المشكلة بدأت منه، ولا لأنه اتخذ قرارًا خاطئًا، ولا لأنه توسع بلا حساب. لكنه الطرف الأضعف. لذلك تبدأ المراجعة من راتبه، وتنتهي بخطاب إنهاء خدمته. والأمر لا يحتاج عند بعض الإدارات إلى أكثر من اجتماع قصير، وملف إكسل، وعدة أسماء توضع أمامها علامة حذف. لكن الاسم الذي يُحذف من الجدول ليس رقمًا. قد يكون أبًا يعيل أسرة. قد تكون عليه أقساط منزل أو سيارة أو دراسة أبناء. قد يكون أمضى عشرين عامًا في شركة واحدة، حتى أصبحت خبرته مرتبطة بها، ثم وجد نفسه فجأة في سوق عمل لا ينتظر أصحاب الأعمار الكبيرة، ولا يكافئ سنوات الوفاء كما نتخيل.

والأشد قسوة أن هذا لا يحدث دائمًا في شركات خاسرة. هناك شركات تربح بالمليارات، وتعلن نتائج قوية، وتكافئ قياداتها، ثم تستغني عن موظفين خدموها سنوات، فقط لأن رواتبهم أصبحت أعلى من راتب موظف جديد بلا خبرة. هنا لا تُعاقب الأخطاء، بل تُعاقب الخبرة. كل سنة قضاها الموظف في الشركة، وكل معرفة اكتسبها، وكل أزمة ساهم في تجاوزها، قد تتحول في لحظة إلى سبب ضده. يصبح أكثر كلفة، ولذلك يصبح التخلص منه أكثر إغراءً.

ثم تفتح التقرير السنوي للشركة نفسها، فتجد صفحات كاملة عن المسؤولية الاجتماعية. صور، ومبادرات، وتبرعات، وأرقام مكتوبة بعناية، وحديث طويل عن الإنسان والمجتمع والاستدامة. لكن الموظف الذي خدمها لسنوات، ثم خرج منها لأنه أصبح مكلفًا، لا يظهر في التقرير.

المسؤولية الاجتماعية ليست حملة إعلامية، وليست مبلغًا يُدفع مرة في السنة ثم يُستخدم لتجميل الصورة. المسؤولية تبدأ من داخل الشركة. من احترام الموظف، ومن حفظ كرامته، ومن عدم التعامل مع حياته كأنها بند زائد يمكن شطبه. والنتيجة لا تتوقف عند الموظف المفصول. كل من بقي داخل الشركة يراقب. يفهم الرسالة جيدًا. يدرك أن سنوات الخدمة لا تعني شيئًا، وأن الولاء لا يحمي أحدًا، وأنه قد يأتي يوم يصبح فيه راتبه سببًا كافيًا لإبعاده.

الثقة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُشترى بالمزايا، ولا تعود بسهولة بعد أن يرى الموظفون زميلهم يخرج بهذه الطريقة. قد تربح الشركة من القرار. قد يتحسن بند الرواتب، وقد تبدو النتائج أجمل في الربع التالي. لكن هناك خسائر لا تظهر في القوائم المالية. وحين تصل الشركة إلى هذه المرحلة، فهي لا تحمي مواردها المالية بقدر ما تستنزف مواردها البشرية. وقد يأتي يوم تكتشف فيه أن الموظف الأقل كلفة لم يكن أرخص فعلًا، وأن ما خسرته من خبرة وثقة وسمعة كان أكبر بكثير من الراتب الذي وفرته.

 

نقلا عن الرياض