إلى متى يستطيع الفيدرالي الاحتماء بفكرة صدمة تضخم مؤقتة؟

19/04/2026 0
أحمد عزام

الأمر لم يعد متعلقًا ببيانات آذار وحدها. ما يخشاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي اليوم أعمق من رقم شهري مرتفع، وأقرب إلى تبدل بطيء في مزاج الأسر والشركات. فكلما جاءت موجة جديدة من ارتفاع الأسعار ومعها تفسير مقنع ومؤقت، اقترب الاقتصاد الأميركي خطوة إضافية من لحظة أكثر حساسية؛ لحظة يبدأ فيها الناس بالتعامل مع الغلاء كأنه جزء ثابت من الحياة اليومية، وليس فقط اضطراب عابر في طريقه إلى الزوال.

هذا هو الاختبار الحقيقي الذي يقترب من الفيدرالي الأميركي.

أسواق المال بدت هادئة نسبيًّا بعد صدور أرقام آذار، رغم أن التضخم سجّل أكبر قفزة شهرية منذ نحو أربع سنوات. المستثمرون رأوا أن الحرب مع إيران رفعت أسعار البنزين، وأن هذه الصدمة معروفة المصدر، ويمكن للفيدرالي أن ينظر عبرها لبعض الوقت. لكن المشكلة بالنسبة إلى جيروم باول وزملائه لا تقف عند الوقود. ما يشغلهم فعليًّا هو ما إذا كانت هذه الصدمات المتكررة ستبدأ بتغيير طريقة تفكير الناس في التضخم نفسه.

قفزة آذار.. وهدوء الأسواق

الأرقام كانت واضحة. مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع 0.9% على أساس شهري بعد 0.3% في شباط، فيما صعد المعدل السنوي إلى 3.3% من 2.4%. السبب الأساسي جاء من الطاقة، وتحديدًا من البنزين بعد اشتداد الحرب في الشرق الأوسط. أما التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، فبقي أكثر هدوءًا عند 2.6% على أساس سنوي.

هذا الفارق هو ما منح الأسواق شيئًا من الطمأنينة. القراءة السائدة كانت أن الاقتصاد الأميركي لم يدخل بعد موجة تضخم واسعة تشمل معظم السلع والخدمات، وأن الصدمة الحالية تبدو أقرب إلى ضربة طاقة ثقيلة منها إلى انفلات سعري شامل. ومن هنا بقي الرهان على أن الفيدرالي سيواصل التثبيت، وسيمنح نفسه وقتًا إضافيًّا قبل التفكير في أي تعديل جديد للفائدة.

لماذا يفضّل الفيدرالي الانتظار؟

لأن البنك المركزي يعرف حدود أدواته. الفائدة لا تخفض سعر النفط، ولا تعيد فتح الممرات البحرية، ولا توقف حربًا. وحين تأتي الضغوط من جهة العرض، يصبح التشديد النقدي علاجًا غير مباشر قد يضغط على الاقتصاد أكثر مما يعالج أصل المشكلة. لهذا يفضّل الفيدرالي عادةً التريث في مواجهة هذا النوع من الصدمات، على أمل أن تبرد أسعار الطاقة قبل أن تنتشر العدوى إلى بقية الاقتصاد.

هذا ما يفسر تمسكه بسياسة "الانتظار والمراقبة". سوق العمل الأميركية لا تعطي بعد إشارة حاسمة تدفعه إلى التحرك سريعًا. التوظيف ليس ضعيفًا إلى مرحلة مقلقة وتستوجب الفيدرالي للتحرك في إدارة المخاطر، وليس في مرحلة قوية داعمة للاقتصاد. والشركات، حتى الآن، لا تبدو في حالة تسعير جماعي جديد على امتداد الاقتصاد كله. من هذه الزاوية، يبقى التريث مقبولًا، وربما ضروريًّا.

ما يخشاه باول أكثر من النفط

النفط وحده لا يخيف البنك المركزي بقدر ما يخيفه ما قد يفعله النفط في رؤوس الناس. التضخم يصبح أصعب بكثير حين تبدأ الأسر والشركات بالتصرف على أساس أنه سيبقى مرتفعًا. عندها ترتفع طلبات الأجور، وتصبح قرارات التسعير أكثر عدوانية، ويتسلل الغلاء من الصدمة المؤقتة إلى السلوك الاقتصادي نفسه. وهنا يفقد الفيدرالي جزءًا من أهم ما يملكه؛ قدرته على إقناع الناس بأن هدف 2% ما زال حيًّا وذو معنى. وحينها يفقد مصداقيته في عين المستهلك.

حتى الآن، لم يحدث هذا الانفلات. التوقعات الطويلة الأجل ما زالت متماسكة نسبيًّا، والأسواق لم تسحب ثقتها من البنك المركزي. لكن هذا الاستقرار لم يعد شيئًا يمكن التعامل معه كأمر مضمون. خمس سنوات من تضخم فوق المستهدف مرّت منذ الجائحة، وكل صدمة جديدة تضيف عبئًا جديدًا على مصداقية الفيدرالي. عند نقطة ما، قد لا يعود الناس يفرّقون كثيرًا بين التضخم المؤقت والتضخم المزمن، خصوصًا إذا جاءت كل موجة جديدة ومعها مبررات مقنعة خاصة بها. ويبقى انتظار رئيس الفيدرالي القادم كيفين وارش ورقة قد تغير كل شيء تحت وطأة مطالبات الرئيس الأمريكي لخفض أسعار الفائدة، حتى في وضع التضخم الحالي، ما يجعل الصورة مربكة.

واشنطن لا تساعد

الصعوبة لا تأتي من الحرب وحدها. البيئة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة تضيف طبقات جديدة من الضغط؛ تعريفات جمركية، إنفاق مالي أوسع، حرب مكلفة مع إيران، وتوترات متكررة حول استقلالية الفيدرالي. كل هذه العناصر تجعل معركة خفض التضخم أكثر تعقيدًا، وتُبقي الأسعار في مناخ غير مريح للبنك المركزي.

وهذا ما يجعل لحظة آذار أكثر أهمية مما توحي به الأسواق. الفيدرالي ما زال يملك أسبابًا وجيهة للانتظار، لكنه يعرف أيضًا أن لعبة الوقت لا تستمر إلى ما لا نهاية. فإذا تكررت الصدمات، وبدأت التوقعات الطويلة الأجل بالتحرك إلى الأعلى، فلن يعود الوقوف في المكان نفسه خيارًا سهلًا. عندها ستدخل السياسة النقدية مرحلة أكثر قسوة، لأن الدفاع عن الثقة يصبح أهم من الاكتفاء بشرح أسباب الصدمة.

إلى أين يتجه النقاش؟

في المدى القريب، سيبقى الفيدرالي على الأرجح في موقع الترقب. الاقتصاد لم يعطِ بعد الإشارة التي تفرض تشديدًا جديدًا، والضغوط الحالية ما زالت ترتبط بالطاقة أكثر من ارتباطها بطلب داخلي جامح. لكن السؤال الذي يقترب من قلب النقاش النقدي في واشنطن أصبح أوضح من السابق؛ كم مرة يستطيع البنك المركزي أن يطلب من الناس اعتبار الغلاء مؤقتًا قبل أن تتغير نظرتهم إليه؟

هذا هو الخطر الذي يلوح الآن بهدوء.

ليس انفجارًا تضخميًّا مفاجئًا، بل تآكل تدريجي في الثقة. وإذا وصل الاقتصاد الأميركي إلى تلك المرحلة، فلن تكون المشكلة في رقم شهر واحد، بل في أن كلمة "مؤقت" نفسها فقدت قدرتها على الإقناع.

 

خاص_الفابيتا