تبنّي مفهوم النموّ الاقتصادي الشامل والمستدام وانعكاسه على مستوى المعيشة

19/04/2026 0
د. عبدالرحمن بن عبدالله الحميدي

حظيّ موضوع النموّ الاقتصادي بحيّز واسع في أدبيات الفكر الاقتصادي، كما سلّطت المؤسسات الماليّة الإقليمّية والدوليّة الضوء عليه في برامجها للتصحيح الاقتصادي هادفة إلى إحداث تغيير في معدلاته للنهوض بمستوى المعيشة، خصوصاً في البلدان الأكثر فقراً. تعدّدت النظريات والأفكار الاقتصاديّة المهتمة بالوصول إلى معدلات مقبولة للنمو الاقتصادي حسب رؤية تلك النظريات للدور المرتقب لكل من القطاع العام، والقطاع الخاص. إن معدل النمو الاقتصادي المقبول والمحقق للأهداف، من وجهة نظر المؤسسات والدول ذاتها، يختلف من دولة لأخرى وفق المتطلبات، والأولويات الاقتصادية لذلك البلد، وحجم العمالة المتوقع دخولها لسوق العمل حسب الهرم السكاني.

دأب الاقتصاديون على قياس النمو الاقتصادي من سنة لأخرى باحتساب نسبة التغيُّر في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فكلما زادت تلك النسبة، تأثر الاقتصاد بشكل إيجابي. ارتفاع معدل النمو الحقيقي من سنة إلى أخرى يفترض أن يؤثّر إيجاباً على مستوى المعيشة إذا ما تم القياس بمتوسط الدخل السنوي للفرد (الناتج المحلي الإجمالي مقسوماً على عدد السكان) مع افتراض بقاء العوامل الأخرى على حالها.

نتيجةً لما تحقق من نمو اقتصادي خلال القرنين الماضيين، انخفضت نسبة من يعيشون في فقر مدقع في العالم من نسبة تقريبية قُدّرت بحوالي %80 من سكان العالم في عام 1820 إلى حوالي %9 عام 2020. كما انخفض عدد الأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر بحوالي مليار شخص في العقدين الماضيين وفقاً لتقديرات البنك الدولي. ورغم ما تحقق من تخفيض لنسب الفقر، فما زال هناك تفاوت في توزيع منافع النمو الاقتصادي على الأفراد. 

أثر النمو الاقتصادي على رفع مستوى المعيشة وفق المقياس أعلاه – متوسط الدخل السنوي للفرد -، كما يستهدفه النموذج الاقتصادي الذي يتم تبنيه من أي دولة بعينها، خصوصاً الدول التي تواجه تحديات استمرار تصاعد نسبة الفقر، ينطوي على افتراضات متعددة قد لا تتحقق، أو على الأقل بعضها. الأمثلة كثيرة، ومتعددة لدول من المنطقة العربية، وخارجها كان معدل نموها الاقتصادي يفوق المتوسط لسنوات سابقةٍ، إلا أن أثر ذلك النمو لم يطل نسبة ليست بالقليلة من السكان، خصوصاً الدول التي عانت من تطورات داخلية غير مواتية في السنوات الماضية، بمعنى أن توزيع مكاسب النمو الاقتصادي لم تكن شاملة. 

موضوع الشمولية في توزيع مكاسب النمو الاقتصادي، لا يقتصر فقط على البلدان النامية، أو دول اقتصادات الأسواق الناشئة، وإنما أيضاً على البلدان المتقدمة اقتصادياً. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، فإن نسبة %1 من السكان الأعلى دخلاً يملكون أكثر من ربع الثروة في أمريكا سنة 2023 (حوالي %31 من الثروة في حين أن هذه النسبة كانت حوالي %23 قبل 35 سنة)، حيث تملك هذه الفئة ما يقارب من 49 ترليون دولار، وهذا المبلغ يزيد على إجمالي ثروة الطبقة الوسطى. وقبل ما يقارب من ثلاثين سنة كانت ثروة الطبقة الوسطى في أمريكا تعادل ضعف ثروة الواحد بالمئة من السكان الأكثر دخلاً. بالمقابل فإن نسبة %50 من السكان، الأقل دخلاً، يسيطرون على أقل من %3 من الثروة. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الطبقة الوسطى من السكان في أمريكا انخفضت من %61 عام 1971 إلى حوالي %51 عام 2023. الاتجاه نحو تركز الثروة في أمريكا يعود لأسباب كثيرة أحد أهمها ارتفاع نسبة مساهمة قطاع الخدمات في الاقتصاد خصوصاً قطاع الخدمات المالية.

لذا يمكن القول: إن تحقيق معدلات مرتفعة نسبياً من النمو الاقتصادي يعد شرطاً ضرورياً لكن ليس كافياً لرفع مستوى المعيشة للطبقات السكانية المختلفة خصوصاً منهم في المستويات الأقل دخلاً، بل وقد تزيد نسبة من هم أقلّ دخلاً حتى مع تحقيق معدلات مقبولة من النمو الاقتصادي. من يتبنى هذا الطرح الاقتصادي لا يُغفل ما تحقق من نتائج إيجابية مصاحبةً للنمو الاقتصادي، حيث انخفض بشكل ملحوظ عدد من يعيشون في فقر مدقع للعقدين الماضيين بحوالي مليار شخص.

ولتفادي القصور في قياس أثر النمو الاقتصادي، ومن ثم الانعكاس على مستوى المعيشة وفق النموذج الاقتصادي المتبع، تبنت دول بعينها مفهوم النمو الاقتصادي الشامل  (Inclusive Growth) الاحتوائي والمستدام. يهدف النمو الاقتصادي الشامل، والمستدام إلى تحقيق عدة أهداف منها زيادة الثروة الوطنية، ورفع المستوى المعيشي، وخفض الفقر، وتحقيق العدالة للأجيال المتعاقبة، ورفع مستوى الدخل لكافة فئات المجتمع، والمحافظة على البيئة. غير أن ذلك لا يعني تحقيق المساواة اقتصادياً لدفع الأفراد للعمل الجاد (التميّز وفق الكفاءة والمهارة).

تطبيق مفهوم النمو الاقتصادي الشامل والمستدام يتطلب أن يصاحبه إطار شامل للحوكمة مثل: التأكد من وصول الجميع للخدمات الأساسية من صحة، وتعليم، وخدمات عامة، وتكافؤ الفرص للجميع (ذلك لا يعني تكافؤ النتائج)، والشفافية، والمساءلة، ومحاربة الفساد، وحفظ حقوق الأجيال القادمة. كما يتطلب تطبيق مفهوم النمو الاقتصادي الشامل والمستدام توفّر كافة الأدوات المهمة التي منها تشجيع الابتكار، وشمولية النظام المالي، وتوفّر بيئة الإبداع، ورقمنة الخدمات وغيرها. 

ولأهمية الموضوع، تم إطلاق مؤشّر النمو الشامل من قبل منظمة الأونكتاد في عام 2022، ويقيس إضافةً إلى المقاييس الاقتصادية التقليدية مثل الناتج المحلي الإجمالي، عناصر أخرى ذات ارتباط وثيق بمفهوم النمو الشامل مثل ظروف المعيشة، ودرجة المساواة، والاستدامة البيئيّة، وغيرها.

لعل من أبرز الدول التي استفادت من تطبيق مفهوم النمو الاقتصادي الشامل والمستدام كل من كوريا الجنوبية، والصين، (هناك أيضاً دول أخرى مثل سنغافورا وغيرها لكنني سأكتفي بهذين المثالين). فقد كانت كوريا الجنوبية واحدةً من أفقر دول العالم، حيث كان متوسط دخل الفرد عام 1960 حوالي 158 دولاراً أمريكياً، وصنفت في ذلك الوقت من ضمن الدول ذات الفرص المنخفضة للتطور لصغر مساحة الأرض، وقلة الموارد. اليوم تصنف كوريا الجنوبية، واحدةً من أقوى الاقتصادات في العالم ذات التنوع الاقتصادي، وواحدةً من أكثر الدول ابتكاراً. استهدفت كوريا بدايةً رفع مستوى المعيشة لأكثر الفئات فقراً (الأسر الزراعية) واضعةً نصب أعينها مبادئ واضحة مثل الاعتماد على الذات، والاجتهاد والتعاون.

لقد بلغ دخل الفرد في كوريا الجنوبية عام 2024 حوالي 36000 دولار أمريكي، وزادت نسبة الطبقة الوسطى من السكان من حوالي %20 عام 1960 إلى حوالي %61 عام 2024. ومن أهم مرتكزات النمو الاقتصادي الشامل في كوريا الاستثمار في التعليم، والتحوّل الصناعي، والاستثمار في البنية الأساسية، وتشجيع الابتكار، واستخدام التقنية. 

بالنسبة للصين، كان متوسط دخل الفرد حوالي 89 دولاراً أمريكياً في عام 1960 وارتفع إلى 13000 دولار عام 2024، وزادت نسبة الطبقة الوسطى من السكان من نسبة منخفضة جدًا عام 1960 (حيث لا يوجد إحصاءات دقيقة عن النسبة في ذلك الوقت) إلى حوالي %40 في عام 2024، ويقدر لهذه النسبة أن تزداد بشكل ملحوظ حتى عام 2030. إن من أهم مرتكزات النمو الاقتصادي الشامل والمستدام في الصين كان الاستثمار في التعليم، والبنية الأساسية، والتحول الصناعي، والتعاون الدولي، وتشجيع الابتكار، والذكاء الاصطناعي.

لقد تحولت الصين بفضل سياستها الاقتصادية الشاملة إلى قوة اقتصادية، مستمرة في النمو لفترة طويلة في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، وأصبحت جودة منتجاتها تضاهي جودة منتجات عدد من الدول المتقدمة. كما أن المتابع للشأن الاقتصادي يستشعر ما تتمتع به الصين من قوة، ونفوذ، وثقة، واستقلالية، وهذا نتيجة العمل الجاد المخطط لعقود.

لعل من أهم وأبرز التجارب الأحدث في المنطقة العربية تبنياً لمفهوم النمو الاقتصادي الشامل والمستدام هي رؤية السعودية 2030 الهادفة إلى تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام في المملكة من خلال التنويع الاقتصادي بعيداً عن قطاع النفط. الرؤية تسعى إلى تحقيق أهداف محددة بتبني عدد من المبادرات، والبرامج المصحوبة بمؤشّرات قابلة للقياس بما يسهل متابعة الإنجاز. لا شك أن المواطن في المملكة بدأ يلمس ما تم تحقيقه خلال سنوات وجيزة مثل خفض معدل البطالة، وزيادة نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، والخدمات الرقمية المميزة، والسياحة، وتطوير البنية الأساسية، وجودة الخدمات العامة وغيرها. الرؤية محاطة بإطار حوكمة شامل مثل محاربة الفساد، وتكافؤ الفرص، وتطوير القدرات البشرية، وشمولية الخدمات العامة، وتوازن التنمية في المناطق المختلفة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي. 

إن ثمار رؤية المملكة 2030 بدأت تنعكس على المخرجات الإحصائيّة مثل إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي، وميزان المدفوعات، والميزانية العامة، وغيرها بما تحقق خلال سنوات قليلة من تنوع اقتصادي، وتطوير لمساهمة القطاع غير النفطي. التقارير المتعاقبة الصادرة تظهر ما تم إنجازه بشفافية ووضوح باستخدام معايير قابلة للقياس. لذا أصبح لهذه الرؤية واقعاً إقليمياً ودولياً، حيث ينظر لها أنها أحد التجارب الأساسية التي يحسن الاستفادة منها. فعلى سبيل المثال، خلال فترة عملي في صندوق النقد العربي، أبدع المشاركون من الجهات الرسمية بالمملكة في أنشطة الصندوق المختلفة، وذلك في إبراز البرامج، والمبادرات، والأنشطة المتعددة للرؤية. 

أخص بالذكر المشاركون من وزارة المالية، والبنك المركزي، ووزارتي الطاقة والتجارة، والهيئة العامة للإحصاء، وبرنامج كفالة الذين أضاءوا على تلك البرامج والمبادرات التي منها على سبيل المثال لا الحصر التنوع الاقتصادي، وتنوع الإيرادات العامة، والطاقة البديلة، والاقتصاد الدائري للكربون، ودور المنشآت متناهية الصغر، والصغيرة، والمتوسطة، والرقمنة والشمول المالي، والحفاظ على البيئة، والسياحة.. وغيرها.

 وفي الختام، أرجو من الله العلي القدير التوفيق، كما أرجو استمرار زخم الرؤية، وإنجازاتها حتى نرى المملكة العربية السعودية في مصافِ الدول المتقدمة اقتصادياً.

 

المقالة منشورة في العدد الأخير من "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية.