التحول الطاقوي بين الاندفاع والتوازن: كيف صنعت السعودية نموذجًا عالميًا في الاقتصاد الدائري للكربون؟

16/04/2026 1
م. محمد الصادق الحاج

يؤدي تبنّي الدول لمسارات التحوّل الطاقوي إلى ظهور مجموعة من الاستراتيجيات التي تختلف في مدى فاعليتها وملاءمتها لاحتياجات كل مجتمع. فثمة نماذج تشدّد على الانتقال السريع المفاجئ غير المدروس، والتي قد تفضي إلى عواقب اقتصادية واجتماعية وبيئية وخيمة، في المقابل توجد استراتيجيات أكثر توازناً وواقعية تراعي معطيات الواقع ومتغيراته. وتُعدّ المملكة العربية السعودية نموذجاً رائداً في هذا الإطار، من خلال تبنّيها لاستراتيجية "الاقتصاد الدائري للكربون" التي تحول التحديات المرتبطة بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى فرص جديدة على الصعيدين الاقتصادي والبيئي، عبر تبنّي حلول مبتكرة ومستدامة لإدارة هذه الانبعاثات دون التضحية بأمن الطاقة أو النمو الاقتصادي. في هذا المقال سنتناول أهم الخطوات التي اتخذتها المملكة في التحول الطاقوي المتزن باستراتيجية الاقتصاد الدائري للكربون. 

قبل استعراض استراتيجية الاقتصاد الدائري للكربون لا بدّ من الوقوف عند أهم المخاطر المرتبطة بالتحوّل الطاقوي السريع غير المتزن والموازن بين المصادر المختلفة للطاقة. فقد أظهرت بعض التجارب الأوروبية والعالمية أنّ تبني الاستراتيجيات السريعة والتي لا تراعي التوازن بين المصادر المختلفة يؤدي إلى نتائج سلبية، نلخصها فيما يلي:

•عدم استقرار إمدادات الطاقة وانقطاعات متكررة في التيار الكهربائي.

•ارتفاع كبير في أسعار الطاقة على المستهلكين والاقتصاد.

•مشكلات اقتصادية واجتماعية مثل توقف بعض الصناعات وزيادة معدلات البطالة.

•تراجع الأهداف البيئية والعودة المؤقتة إلى مصادر ملوِّثة مثل الفحم.

مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون

أطلقت المملكة خلال رئاستها لمجموعة العشرين مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون الذي أقرّته المجموعة كإطار متكامل لمعالجة انبعاثات الغازات الدفيئة وإدارتها بالتقنيات المتاحة. يمثل هذا النهج طريقة مستدامة اقتصادياً لإدارة الانبعاثات وهو نموذج اقتصادي بيئي شامل يُعيد النظر في التعامل مع ثاني أكسيد الكربون، ليس كمنتج ثانوي ضار، بل كمورد قيّم يمكن تدويره وإعادة استخدامه، ومما يميز هذا النموذج أنه صالح لجميع الدول مهما كانت مصادر الطاقة لديها.

جهود المملكة العربية السعودية في تطبيق نموذج الاقتصاد الدائري للكربون 

تبنّت المملكة العربية السعودية الاقتصاد الدائري للكربون كجزء أساسي من سياساتها المناخية. وأعلنت خلال قمة العشرين في الرياض (نوفمبر 2020) عن إطلاق البرنامج الوطني للاقتصاد الدائري للكربون الذي بدأ العمل به في عام 2021 بهدف تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وموازنتها من خلال تطبيق الركائز الأربع بصورة منهجية. كما أعلنت المملكة هدفها الاستراتيجي للوصول إلى صافي صفري من الانبعاثات بحلول عام 2060 اعتمادًا على هذا النهج بما يحافظ على أمن الطاقة واستقرار النمو الاقتصادي.

لقد دمجت المملكة إطار الاقتصاد الدائري للكربون في سياساتها البيئية والتنموية لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 والتزاماتها الدولية، وأطلقت العديد من المبادرات عبر قطاع الطاقة السعودي. وفيما يلي أبرز المشاريع التي تخدم كل ركيزة من الركائز الأربع:

1.الخفض (Reduce) من خلال برامج كفاءة الطاقة حيث أطلق المركز الوطني لكفاءة الطاقة برنامجَ كفاءة شاملًا يستهدف ثلاث قطاعات رئيسة تمثل 90% من الطلب الوطني على الطاقة وهي الصناعة والمباني والنقل البري، مع هدف خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 278 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، وكذلك من خلال مشروعات محطات الطاقة المتجددة مثل: محطة سكاكا للطاقة الشمسية (300 ميجاوات) ومحطة سدير للطاقة الشمسية (1.5 جيجاوات) ومحطة دومة الجندل لطاقة الرياح (400 ميجاوات).

2.إعادة الاستخدام (Reuse) من خلال مصنع شركة (المتحدة) التابع لسابك لالتقاط وتنقية ثاني أكسيد الكربون: يلتقط مئات آلاف الأطنان سنويًا من CO₂ الناتج عن العمليات الصناعية، ويُستخدم الكربون المُلتقَط كمواد خام لصناعة الأسمدة والميثانول وغيرها، ما يحوّل الانبعاثات إلى موارد اقتصادية ويحد من إطلاقها في الجو. وأيضاً مشروع أرامكو لاحتجاز الكربون وتحسين استخراج النفط (EOR) : يهدف إلى حقن ثاني أكسيد الكربون في حقول النفط لزيادة استخلاصه بتقنية الاستخلاص المعزز للنفط، بحيث تجمع أرامكو بين رفع كفاءة استغلال المكامن وتقليل الانبعاثات من خلال إعادة استخدام الكربون في باطن الأرض بدل إطلاقه في الغلاف الجوي.

3.إعادة التدوير (Recycle) من خلال مصنع الهيدروجين الأخضر في مدينة نيوم: مشروع يعتمد على مصادر الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومن ثم تحويله إلى أمونيا خضراء يمكن استخدامها كوقود خالٍ من الكربون أو تصديرها للأسواق العالمية. يجسّد هذا المشروع ركيزة إعادة التدوير من خلال تحويل الطاقة المتجددة إلى وقود نظيف، ما يسهم في خفض الانبعاثات وتعزيز مكانة المملكة في سوق الهيدروجين والوقود النظيف.

4.الإزالة (Remove) من خلال مبادرة السعودية الخضراء التي تمثل دعمًا لركيزة الإزالة الطبيعية، حيث تتضمن خططًا لزراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة على المدى الطويل، بهدف امتصاص الانبعاثات، وتحسين جودة الهواء، ومكافحة التصحر.  وكذلك من خلال مبادرة الشرق الأوسط الأخضر: تهدف إلى زراعة 50 مليار شجرة في دول المنطقة خلال العقود المقبلة، بما يعزّز مخزونات الكربون الطبيعية من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون. 

في الختام، تؤكد التجارب العالمية على أن التحول السريع وغير المدروس يؤدي إلى اضطرابات جذرية في سوق الطاقة، ارتفاع التكاليف، وتدهور الأداء الاقتصادي والاجتماعي، بينما يمثل نموذج الاقتصاد الدائري للكربون الذي تتبناه المملكة العربية السعودية مثالاً علمياً وعملياً على كيفية تحقيق تحول طاقوي متوازن ومستدام. من خلال الجمع بين الاستراتيجيات المتكاملة التي تشمل التقليل وإعادة الاستخدام والتدوير والإزالة نجحت المملكة في تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو الاقتصادي وهذا يثبت أن السياسات الصحيحة والدقيقة والتنفيذ المتدرج هما مفتاح النجاح في إدارة قطاع الطاقة.

 

المقالة منشورة في العدد الأخير من "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية.