النفط بين الحرب وخطر النمو والتضخم!

24/03/2026 0
ثامر السعيد

تعيد الحروب النفط إلى موقعه الطبيعي كأهم متغير ينقل الأثر من الجغرافيا السياسية إلى النمو والتضخم وتكلفة الإنتاج، خصوصا إذا كان التوتر في منطقة المصدرين. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفع سعر برنت من 71.3 دولار للبرميل في فبراير إلى 111 دولارا في مارس، أي بزيادة تقارب 55.7% خلال فترة قصيرة.

وعند احتساب المتوسط اليومي لأسعار برنت منذ بداية 2026 حتى مارس، يبلغ المتوسط نحو 73.6 دولار للبرميل مقابل 76.3 دولار للفترة نفسها من 2025، أي أقل بنحو 3.7%، إلا أن متوسط مارس قفز إلى 91.7 دولار مقابل 71.7 دولار للفترة المماثلة من العام الماضي، بزيادة تقارب 27.8%. وهذه المفارقة تعني أن المتوسط السنوي لم يلحق الصدمة بعد، لكن السوق الفورية دخلت فعليًا في مسار سعري مختلف.

هذا الارتفاع لا ينعكس على فاتورة الطاقة فقط، بل على النمو العالمي نفسه. فصندوق النقد الدولي كان يتوقع في تحديث يناير نمو الاقتصاد العالمي عند 3.3% في 2026، مع تراجع التضخم العالمي إلى 3.8% هذا العام.

لكن الصندوق أوضح هذا الأسبوع أن كل زيادة مستمرة بنسبة 10% في أسعار الطاقة لمدة عام قد ترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية وتخفض الناتج العالمي بنحو 0.1 إلى 0.2%. لذلك فإن بقاء النفط عند مستويات مرتفعة لفترة ممتدة لن يكون مجرد ارتفاع في سلعة، بل عاملًا كافيًا لإبطاء النمو العالمي ورفع تكلفة محاربة التضخم، خصوصًا لدى الاقتصادات المستوردة للطاقة.

تبدأ الصدمة عادة من قطاع الصناعة قبل أن تظهر كاملة في المنتج النهائي. ففي منطقة اليورو ارتفعت أسعار المنتجين الصناعيين 0.7% في يناير على أساس شهري، بينما ارتفع مكون الطاقة 1.3%، كما ارتفعت الأسعار الصناعية باستثناء الطاقة 0.6%.

وهذا يعني أن أثر النفط لم يعد محصورًا في الخام، بل بدأ ينتقل إلى تكلفة الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد، وهو ما يضغط على الهوامش الربحية ويرفع احتمال تمرير جزء من التكلفة إلى الأسعار النهائية.

أما البنوك المركزية فلن تتعامل مع هذه الموجة بوصفها تضخمًا عابرًا، لأن التضخم الناتج عن صدمات الطاقة والإمدادات يكون أكثر حساسية في أثره على الأسعار وتوقعاتها. ولهذا فإن خفض الفائدة لن يكون سهلًا أو سريعًا، بل سيصبح أكثر تدرجًا وحذرًا، مع ميل واضح إلى مراقبة البيانات والتأكد من انحسار الضغوط التضخمية قبل الانتقال إلى تيسير نقدي أوسع.

عمليًا، كلما طال أمد ارتفاع النفط، تضاءلت مساحة البنوك المركزية للموازنة بين دعم النمو وكبح التضخم. أما الدول المصدرة للنفط، فستبدو في وضع أفضل نسبيًا لأن ارتفاع الإيرادات النفطية يخفف الأثر الخارجي على المالية العامة والحساب الجاري، لكنه لا يلغي التضخم المستورد.

ففي السعودية بلغ التضخم 1.7% في فبراير 2026، بينما سجل مؤشر أسعار الجملة ارتفاعًا سنويًا 2.9% في يناير، مدفوعًا بزيادة أسعار المنتجات النفطية المكررة 3.9%، كما ارتفع مؤشر أسعار المنتجين 0.4% في يناير. لذلك فإن الدول المصدرة قد تستفيد ماليًا من ارتفاع النفط، لكنها لن تكون معزولة عن تضخم ينتقل عبر السلع المصنعة والشحن والتأمين ومدخلات الإنتاج.

 

نقلا عن الاقتصادية