انحياز الناجين

25/02/2026 0
محمد العنقري

إبان الحرب العالمية الثانية، وفي العام 1943 تحديداً لاحظ خبراء الجيش الأمريكي أن الطائرات الحربية التي تصل من أوروبا أن أغلب الإصابات كانت في الذيل والأجنحة، وقرروا فحصها للقيام بتصفيحها في الأماكن التي أصابها الرصاص لكن كان لعالم الرياضيات والعامل بالجيش الأمريكي في حينها إبراهام والد رأي آخر، إذ نبههم لنقطة مهمة وهي أنكم تتفحصون الطائرات التي عادت رغم أنها أصيبت في الأجنحة والذيل وأن ما يجب فحصه هي الطائرات التي سقطت بالمحيط أو دُمرت ولم تعد، ليكتشفوا بعدها أن الإصابات بها كانت في قمرة القيادة والمحرك فكان القرار السليم هو تصفيح هذه الأماكن لمزيد من الحماية لها.

ومنذ ذلك الوقت انتشر مفهوم جديد في علم الإدارة، وهو انحياز الناجين أو البقاء والمقصود دراسة الناجحين أو من استمر من الشركات بأعماله ولم تتعرض لانتكاسات أدت لإقفالها أو إفلاسها فلا يمكن أن تجري دراسة على سوق صناعة شركات السيارات من خلال التي نجحت واستمرت بعملها وتوسعت، إذ لا بد أن تكون الدراسة على تلك التي خرجت من السوق. وذات الأمر ينطبق على قطاعات التجزئة وتصنيع الأجهزة الإلكترونية أو الكهربائية أو في القطاع المالي وكل مجال يعد حيوياً في أي اقتصاد، بل حتى تأثير العوامل الطبيعية على البيوت أو الممتلكات التي تضررت أو في المجال الزراعي والتعليم والصحة وغير ذلك من القطاعات التنموية والاقتصادية.

فالمبدأ الإداري الناجح لأي قطاع هو الذهاب لمن يعانون لمعرفة إذا ما كان السبب داخل المنظومة أو لاحتياجات تطوير بالأنظمة أو تعديلات تعزِّز التنافسية بالسوق أو تسهيلات تدعم قدرتهم على تمويل أعمالهم وغير ذلك من الأسباب التي قد تكون سبباً في عدم قدرتها على الاستمرار بالسوق، وذات الأمر ينطبق على الاستثمار والتداول بأسواق المال من خلال دراسة الظواهر التي تعيق الإقبال على الأسواق تشمل آليات التداول وأدواته وتنوع القطاعات والشفافية والحوكمة وتعزيز دور المستثمر في قرارات الشركة التي يستثمر بها من خلال الجمعيات العمومية.

الانحياز للأمثلة الناجحة ينظر له من زاوية تحفيز الآخرين على بذل الجهد أكثر لكي يحققوا نجاحاً مماثلاً لكن ذلك لا يكفي لإكمال صورة تطوير أي سوق أو قطاع فلا بد من النظر للجزء الآخر الذي يواجه تحديات للتعامل معها والقيام بالتحديث المطلوب أو إزالة أي عقبات بهدف إعادة التوازن للتنافسية في السوق ودعم النمو الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات.

 

نقلا عن الجزيرة