لا يمكن قراءة إطلاق الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لبرنامج «الأحياء المطورة» بوصفه مشروعاً عمرانياً تقليدياً، بقدر ما هو تعبير عن تحوّل أعمق في طريقة التفكير بالمدينة بوصفها فضاء للإنسان قبل أن تكون مجرد عمران، فالبرنامج يطرح سؤالاً جوهرياً طال تجاهله: كيف يمكن أن تبنى الأحياء بحيث تخدم الإنسان، لا أن تُثقله بتحديات يومية فرضها التخطيط العشوائي ؟!
لقد عانت بعض الأحياء غير المنظمة من مشكلات متراكمة عبر عقود؛ من طرق ضيقة، وخدمات محدودة، ونمو غير منظم لا يخضع لرؤية أو تخطيط، لكن المعالجة اليوم لم تعد ممكنة بالأدوات التقليدية وحدها، لأن إزالة المشكلة مادياً لا تعني بالضرورة إنهاء أسبابها. من هنا، تأتي أهمية التحول نحو رؤية تضع الإنسان في صميم التخطيط، وتجعل من المبنى وسيلة لتحسين جودة الحياة، لا غاية قائمة بذاتها !
ما يلفت في هذا البرنامج، أنه يتعامل مع مفهوم الاستدامة بوصفه نهجاً وقائياً، لا شعاراً إنشائياً. فالتطوير الحقيقي لا يُقاس بما ينجز اليوم فقط، بل بقدرته على منع تكرار الأخطاء نفسها في المستقبل، ولذلك، فإن البرنامج لا يكتفي بإعادة تشكيل المكان، بل يضع أطراً تنظيمية تضمن استمرار الانضباط العمراني وتحقيق التوازن بين النمو والحياة اليومية للسكان !
كما أن «برنامج الأحياء المطوّرة» ينسجم مع مسار أوسع تعيشه المملكة ضمن رؤية 2030، حيث لم تعد التنمية مفهوماً مجتزأ، بل عملية شاملة تبدأ من الإنسان وتعود إليه، وفي هذا السياق، تمتلك مكة المكرمة فرصة فريدة لتقديم نموذج حضري يراعي خصوصيتها المكانية والروحية، دون أن يتجاهل متطلبات المدينة الحديثة !
الأحياء ليست مجرد مساحات على الخريطة، بل ذاكرة اجتماعية وثقافية تشكّلت عبر سنوات طويلة. وأي تطوير يتجاهل هذا البعد الإنساني، يظل تطويراً ناقصاً مهما بلغت كلفته. لذلك، فإن الحفاظ على الروابط الاجتماعية والنسيج الإنساني يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من عملية التطوير، لا تفصيلاً ثانوياً !
باختصار.. يعكس هذا البرنامج تحولاً واضحاً في الفكر العمراني السعودي، من معالجة المظاهر إلى فهم الجذور، ومن التركيز على الشكل إلى الاهتمام بالعلاقة بين الإنسان ومكانه، وإذا ما استمر هذا النهج بالوعي نفسه، فإن مكة المكرمة ستكون أمام تجربة حضرية مختلفة، قادرة على تحويل التحديات العمرانية إلى فرص حقيقية لبناء مدينة أكثر تنظيماً وإنسانية!
نقلا عن صحيفة عكاظ

