من سوريا إلى الصين

31/08/2025 0
علي المزيد

كانت الدول العربية تتجنّب الاستثمار الأجنبي في دولها خشية تدخله في شؤونها الداخلية، ولا سيما أنها دول خرجت للتو من الاستعمار، وتنظر بعين الريبة إلى الاستثمارات العربية المُشتركة وغير المُشتركة بحكم القطبية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. وكانت الدول العربية منقسمة، وجزء منها يوالي الاتحاد السوفياتي، والجزء الآخر يوالي الولايات المتحدة الأميركية، فكان الحلفاء يفرضون على الدول العربية رفض بعض المشاريع المشتركة بحكم القطبية والولاء، وهذا بالطبع أخّر الاستثمارات العربية المشتركة بين الدول العربية، وهذه القطبية أدت إلى الاختلاف السياسي بحكم اختلاف التوجهات، مما وضع الحلول السياسية بين الدول العربية في حدها الأدنى، وما أفشل الجامعة العربية سياسياً سوى هذه القطبية، وكانت طموحات بعض زعماء العرب لا منطقية؛ حيث كان البعض منهم يدعو إلى الوحدة، والبعض الآخر يدعو إلى الاتحاد، وكل هذه الآمال فشلت بحكم عدم وجود أسباب منطقية لتحقيقها.

وكانت دعوات العُقلاء منهم تدعو إلى التكامل لا الوحدة أو الاتحاد، ومن أهم أسباب نجاح التكامل البعد الاقتصادي عبر المشاريع المُشتركة أو تهيئة الأرض للاستثمار عبر التشريعات أو حماية حقوق المستثمر، وبحكم أن العالم أصبح قرية صغيرة، ولتشابك المصالح، ونظراً إلى أن التكامل يُحقق فوائد كثيرة لكلا طرفي الاتفاق، بدأت المشاريع المُشتركة بين الدول، ولكنها تأخرت في العالم العربي، نظراً إلى أن نصف الدول العربية مع الأسف فاشلة، فبعد أن أضر بها التدخل الدولي أضر بها أيضاً في الفترة القريبة الماضية التدخل الإقليمي الذي أذكى الطائفية، وجعل بعض شعوب الدول العربية متناحرة، فنحن رأينا ماذا فعل «حزب الله» في سُنة سوريا، فقد كان الذبح على الهوية، ورأينا ممانعة «حزب الله» في نزع سلاحه من لبنان؛ ما أخّر استقراره، وربما سيجعله على شفا حرب أهلية، وإن كنت أستبعد ذلك لمساندة الدول ذات النفوذ فيه لحكومة لبنان الجديدة.

وبحكم أن العالم تغيّر، فأيضاً الدول العربية يجب أن تتغيّر، وأن تفتح مجالاً للعمل العربي المُشترك أو المُستقل، وقد شاهدنا الوفد السعودي الذي ذهب إلى سوريا بصحبة وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، ومشاركة ثمانين سعودياً من رجال الأعمال في معرض دمشق الدولي في سوريا الذي نأمل أن يكون فاتحة خير لعودة سوريا إلى وضعها الطبيعي. فبدلاً من أن تستثمر الدول العربية في دول أجنبية تحقق الأمان والاستقرار لاستثماراتها يجب على الدول العربية المُحتاجة إلى رأس المال أن تُصحّح تشريعاتها، لتُصبح واضحة، وتحمي حقوق البلد والمستثمر دون إجحاف، ليقبل عليها المستثمرون.

ومثل هذه الاستثمارات بين الدول العربية تُحقق تفاهماً سياسياً عبر تنازل جميع الأطراف عن المشكلات الصغيرة التي لا بد أن تحدث رغبة في حماية هذه الاستثمارات التي تدر ربحاً على المستثمر، وتفتح فرصاً وظيفية في بلد الاستثمار، وتحقق توازناً اقتصادياً في الدولة، وتجلب عملة صعبة للبلد المستثمر فيه عبر التصدير.

فالاقتصاد عصب الحياة، وإذا ما ازدهر واتضحت فوائده للجميع فإن الجميع سيسعى لحمايته عبر التغاضي عن المشكلات الصغيرة التي قد تنشأ، وهي متوقعة الحدوث، فلا يمكن أن تستمر العلاقات دون ما يُعكر صفوها، ولكن المكاسب المُتحققة من الاستثمارات ستجعل السياسيين يتجاوزون بعض المشكلات التي قد تحدث بالتفاهم أو بالمُفاوضات.

وبالطبع فإن العالم العربي يحتاج إلى العالم الخارجي، لذلك رأينا في الأسبوع الماضي وفداً اقتصادياً سعودياً رفيع المستوى يزور الصين بحكم ارتفاع معدلات التبادل التجاري بين الدول العربية والصين، والسعودية أنشأت مناطق لوجيستية يُتوقع أن تخدم التجارة الدولية في الإقليم، ومن بينها التجارة مع الصين؛ إذ إن الاستثمار مع الدول الكبرى سيوطّن المعرفة في الدول العربية، ويربط الدول العربية بمصالح مشتركة مع الدول الكبرى، إذ إن زمن العُزلة قد انتهى.

أرجو أن يكون تعاون السعودية وسوريا نموذجاً يُحتذى به للتعاون بين الدول العربية بعد هدوئها؛ لنرى استثمارات مشتركة ما بين الدول العربية والسودان وليبيا، فازدهار الاقتصاد يحقق رفاهية الشعوب واستقرار الإقليم؛ إذ لا يمكن لشارع ينعم بالحد الأدنى من مقومات الحياة أن يفتعل اضطراباً ضد حكومته.

لقد تأخرنا كثيراً في المشاريع العربية المُشتركة، وأرجو أن نكون قد استفدنا من الدرس، لنرى استثمارات عربية متبادلة ومتفاعلة ما بين رأس المال والخبرة. ودمتم.

 

نقلا عن الشرق الأوسط