كيف نجحت ماليزيا ؟

04/04/2024 4
فواز حمد الفواز

رغم قناعة كثيرين في المنطقة العربية بنجاح ماليزيا، ربما بسبب الاشتياق لنجاح دولة إسلامية أو بسبب مواقف مهاتير محمد الشعبوية، إلا أن نجاح ماليزيا بقي محدودا قياسا على نجاح تايوان وكوريا وسنغافورة لأن المقارنة دائما بالنمور الآسيوية من عدة أبعاد مثل حصة الفرد من الدخل القومي الإجمالي أو حجم ونوعية المنتجات المصدرة وسلم التقنية في المجتمع، رغم هذه المقدمة التي تبدو سلبية إلا أن هناك نجاحا وتقدما كبيرين في الاستثمارات التقنية الأجنبية المباشرة نظرا لتغير الظروف الموضوعية دوليا وتأثير التراكم والمثابرة في تأسيس بيئة وقاعدة استثمارية بعيدة المدى، بدأت ماليزيا في تأسيس قاعدة صناعية تستهدف التقنية في جزيرة بينانج في السبعينات من القرن الماضي للتجميع والتعليب كمرحلة أخيرة لكثير من الشركات العالمية المصدرة للإلكترونيات مثل التلفزيونات والثلاجات والمكيفات وغيرها وأشباه الموصلات ساعدها في ذلك الموقع الجغرافي وتوافر العمالة الأقل تكلفة والإعفاءات الضريبية والقرب من الأسواق الكبيرة في الدول الآسيوية وتوظيف اللغة الإنجليزية.

استمرت ماليزيا في أدنى السلم التقني لهذه الصناعات المتقدمة عقودا حتى حدثت تطورات مهمة على الصعيد العالمي. جاءت أزمة كوفيد لترفع درجة الاهتمام بسلاسل الإمداد وتنويع مصادر الإمداد، وتطور آخر تمخض في السياسة الغربية نحو الصين حيث وجدت ماليزيا نفسها في علاقة طيبة مع الصين والغرب ما جعلها مقبولة للاستثمار والتجارة مع كليهما. فمثلا ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ماليزيا من 20 مليار دولار في 2019 إلى الضعف في 2023. كما أن نوعية المنتجات ارتقت السلم التقني وازدادت أعداد الشركات، بل إن حتى الشركات الصينية وجدت في ماليزيا فرصا للتنويع. تجد كل الشركات الكبيرة مثل إنتل وتكساس إنسترومنت وإريكسون وغيرها من كبريات الشركات العالمية في الإلكترونيات والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، الجديد أن ماليزيا استطاعت تأسيس المنظومة المتكاملة Eco-System تدريجيا حتى وصلت إلى مستوى أعلى. تدريجيا وصلت البنية التحتية إلى مستوى جيد عالميا، وأسست جامعه للعلوم والهندسة في بينانج وارتقى مستوى التدريب والمعرفة التقنية نتيجة خبرة متراكمة ومعرفة بما يخدم القطاع التقني. حديثا استثمرت شركة إنفديا مبلغ 4.3 مليار دولار لتأسيس مصنع ومركز متقدم لصناعة أشباه الموصلات للذكاء الاصطناعي.

ما يلفت في تجربة ماليزيا هو التدرج في السلم التقني والاستعداد والصبر للتطوير والاستفادة من الظروف الدولية للتمركز والتقدم. كذلك لا بد من الإشارة إلى تنوع القاعدة السكانية في ماليزيا التي ربما أسهمت في التخصص، إذ تجد المكون الصيني والهندي اللذين يشكلون نحو 40 % من السكان عادة في القطاع الخاص بينما الملايين عادة في القطاع العام. ليس هناك سامسونج أو شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات ماليزية وربما لن يحدث ذلك قريبا ولكن هناك نجاحا وتوجها صحيا خاصة أن الأهم هو تكوين قاعدة تصنيعية ومعرفة علمية وتقنية لأن الصناعات خاصة في الحقبة الرقمية لم تعد تعتمد على المنتج الأخير لكن الدور في سلسلة الإنتاج والتخصص والمرونة. تجربة ماليزيا فريدة بحكم الموقع الجغرافي الذي لعب دورا مهما والظروف الموضوعية الخاصة بها، لذلك لا يمكن نسخها في بلد آخر، لذلك على كل بلد التوجه الحثيث المتكامل فيما يسعى له واستغلال كل ما لديه للتوجه التنموي.

 

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية