تحديات الحمل الذروي في المملكة: حلول مقترحة

14/11/2023 5
د. إبراهيم بن محمود بابللي

إن هذه المقالة هي الثالثة في سلسلة مقالات المزيج الاقتصادي للطاقة، وتهدف هذه المقالة إلى اقتراح آلية جديدة وفريدة من نوعها للتعامل مع تحديات الحمل الذروي في المملكة عن طريق التكامل بين منظومتي تحلية المياه والكهرباء، إن أحد أهم التحديات التي تواجه منظومة الكهرباء في المملكة العربية السعودية هو التباين الكبير في الطلب على الكهرباء بين الشتاء والصيف، حيث يزيد الحِمل الذروي الكهربائي في الصيف حوالي 45% عن الحِمل الأدنى في الشتاء. في عام 2020 وصل الحِمل الذروي في المملكة إلى 62266 ميجاوات، وكانت الفترة التي زاد فيها الحِمل عن 61300 ميجاوات ثلاث ساعات فقط، موزعة على يومين في شهر أغسطس. أما الفترة التي زاد فيها الحِمل عن 60000 ميجاوات فكانت حوالي 95 ساعة موزعة على 32 يوما في شهري يونيو وأغسطس.

وعند النظر إلى منتجي الطاقة في المملكة، نجد أن الشركة السعودية للكهرباء هي التي تقع على عاتقها مسؤولية التعامل مع هذه المتغيرات إلى حد كبير بالإضافة إلى شركة مرافق، لأن الشركات الأخرى المنتجة للكهرباء يبقى مستوى التوليد عندها ثابتا في الصيف والشتاء إلى حد كبير، كما هو مبين في الشكل التالي . ولتوفير هذا الحمل الذي يستمر ساعات فقط، تحتفظ شركات الكهرباء عادة بمحطات قديمة تستخدمها عند الوصول إلى ذروة الطلب على الكهرباء تسمى باللغة الإنجليزية Peakers .

 

 

 

إن التعامل التقليدي مع الحمل الذروي يكون بإدارة الأحمال في الجانب الاستهلاكي للكهرباء، وكذلك برفع كفاءة التوليد والتوزيع في الجانب الإنتاجي للكهرباء. وتعمل الجهات التنظيمية والتشريعية على تفعيل إدارة الأحمال باستخدام أدوات مختلفة منها توعوية ومنها تنظيمية ومنها مالية. فعلى سبيل المثال، تستخدم التعرفة المتغيرة لتشجيع المستهلكين على تغيير وقت تشغيل بعض الأجهزة أو خطوط الإنتاج من فترة الذروة في النهار إلى الليل، أو من وسط الأسبوع إلى نهاية الأسبوع. وتضع بعض الدول قيودا على استخدام الأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة المنخفضة، كما تضع حوافز لترشيد استهلاك الكهرباء.

إن هذه الحلول معروفة ومنتشرة، ولكن توجد حلول أخرى ما يزال الكثير منها في مراحله الأولية أو قيد التجربة. من هذه الحلول توليد الكهرباء في فترات انخفاض الحِمل ثم تخزينها لاستخدامها وقت ارتفاع الحِمل، مثل استخدام الكهرباء وقت انخفاض الحِمل لضخ الماء إلى أعلى بحيرة السدّ ثم استخدام الطاقة المائية لتوليد الكهرباء وقت ارتفاع الحِمل. ولكن للدول التي لا تتوافر لديها مثل هذه الأنظمة المائية الضخمة، فإن هذا الحل غير وارد، بالإضافة إلى أن تقنيات تخزين الطاقة الأخرى بسِعاتٍ كبيرة لفترات طويلة مكلّفة جدا. 

هل توجد هناك حلول أخرى؟ الجواب نعم. وسنقتصر في هذه العُجالة على مقترح لأحد الحلول قابل للتطبيق في المملكة العربية السعودية، وفي عدد محدود من الدول ذات الظروف المشابهة. إن الحل المقترح يكمن في الربط التكاملي بين إدارة منظومة الكهرباء ومنظومة تحلية المياه باستخدام التناضح العكسي. 

كما رأينا أعلاه، فإن الألف ميجاوات الأعلى من الحمل الذروي تستمر ثلاث ساعات فقط في السنة. وتُستخدم في توليدها عادة إحدى المحطات الاحتياطية (Peaker). ولكننا نستطيع في هذه الساعات الثلاث، عوضا عن تشغيل محطة توليد كهرباء إضافية، تقليص الطاقة الموجّهة لمحطات تحلية المياه باستخدام التناضح العكسي، وإعادة توجيه تلك الطاقة إلى شبكة الكهرباء بشكل تدريجي يستجيب لارتفاع وانخفاض الطلب آنيا، في حدود الألف ميجاوات المطلوب توفيرها. 

إن خفض الطاقة المستخدمة في محطات التحلية بشكل تدريجي وجزئي ليس له أثر سلبي على أداء المحطة، ولا على المرشحات (Membranes) المستخدمة، إذا أديرت العملية بالشكل الصحيح. ولكن كمية المياه المحلاة ستنقص قليلا خلال الفترة التي أعيد توجيه جزء من الطاقة التشغيلية الخاصة بالتحلية إلى شبكة الكهرباء. ولكن يمكن تعويض ذلك من خزانات المياه التي تستخدم لضخ المياه للمستخدمين. وعند استخدام شبكة خزانات المياه المنتشرة في أرجاء المملكة، بشكل تكاملي مع محطات تحلية المياه بالتناضح العكسي، يمكن توفير كمية أكبر من الطاقة خلال فترات الذروة دون أثر سلبي على تشغيل محطات التحلية أو على ضخ المياه المحلاة للمستهلكين، مما يقلل من الحاجة للإبقاء على محطات توليد كهرباء احتياطية لا تشغل إلا أياما قليلة في السنة. 

هذا الحل المقترح – حسب علمنا – لم يسبق طرحه من قبل، ولا يمكن تنفيذه إلا في دولة مثل المملكة العربية السعودية حيث محطات تحلية المياه المالحة التي تعمل بالتناضح العكسي متصلة بشبكة نقل وتوزيع الكهرباء، وفي الوقت نفسه متصلة بشبكة توزيع وتخزين المياه. 

هناك حلول أخرى لعلنا نتطرق لبعضها في المقالة التالية بإذن الله. 

 
 
 
 
 
خاص_الفابيتا