معالجة التحديات التي يواجهها القطاع الخاص

01/08/2023 0
عبد الحميد العمري

انتهت خلاصة المقالين السابقين إلى قسمين رئيسين للتحديات التي يكابدها القطاع الخاص. جزء داخلي تمثل أغلبه في استمرارية اعتماد كثير من أرباب منشآت القطاع على كل من الإنفاق الحكومي كمصدر رئيس لتحقيق الدخل، وعلى الاستقدام المفرط للعمالة الوافدة، وهي المعضلة التي تجاهد برامج ومبادرات رؤية 2030 على إخراج القطاع الخاص منها، ونقله من الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي والاستقدام، وما ولده ذلك الوضع الهش للقطاع من ضعف مساهمة في كل من التنوع الإنتاجي والنمو الاقتصادي المستدام، وتأخر مساهمته في تسارع نمو الإيرادات غير النفطية عوضا عن استمرار اعتماده المفرط على نفقات الميزانية العامة، إضافة إلى أهمية توليده مزيدا من فرص العمل بشكل عام، بما يسهم في كبح البطالة بين الموارد البشرية المواطنة، والاندفاع بصورة أكثر تحديدا صوب توفير أعداد أكبر من الوظائف النوعية، التي تلائم من حيث الدخل والمؤهلات اللازمة مخرجات التعليم العالي.

أما الجزء الخارجي من التحديات، فقد ارتبط في غالبه بعديد من أوجه قصور الأجهزة الحكومية، أو بقدر مكلف من الرسوم والغرامات والجزاءات التنظيمية على كاهل منشآت القطاع الخاص بشكل عام، وعلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص، ما أدى إلى وقوع كثير من المنشآت في صعوبات كبيرة جدا فاقت قدرتها المالية والإدارية، ويضاف إلى ما سبق من تحديات خارجية ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات وحتى إيجاراتها السنوية، التي تغذت بدرجة رئيسة من كثير من الممارسات الضارة في القطاع غير المنتج اقتصاديا، بدءا من استمرار نشاطات اكتناز الأراضي في المدن والمحافظات، إضافة إلى انتعاش عمليات المضاربات على الأراضي واجتذابها كثيرا من السيولة المحلية على حساب توظيفها في قنوات الاستثمار والإنتاج، ما أدى في مجمله إلى الارتفاع المطرد لتكلفة تأسيس المشاريع الإنتاجية، والارتفاع المستمر في تكاليف التشغيل والإنتاج، ما أنهك بدوره بدرجة كبيرة ميزانيات أغلب منشآت القطاع الخاص، وأضعف من أرباحها إن لم تكن قد تسببت في تكبدها خسائر طائلة، أدت في حالة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى توقف نشاطها بصورة نهائية، وأخيرا حضر عامل عكسي آخر، تمثل في الارتفاع المطرد والمبالغ فيه لتكاليف إيجارات المحال ومواقع منشآت القطاع الخاص، ما ضاعف بدوره من حجم التحديات الخارجية على تلك المنشآت.

بالنسبة إلى التحديات الداخلية، فقد سبق الحديث عن أهم وأبرز الحلول اللازمة لها سابقا في كثير من المقالات، وأن الحلول في هذا الجانب تبدأ من القطاع الخاص نفسه ممثلا في الغرف التجارية والصناعية، وأن عليها تبني مبادرات وبرامج تتوافق مع رؤية المملكة 2030، وأن تنتقل من مواقعها العتيقة التي اعتادت مطالبة المالية العامة بدعم القطاع الخاص، ومطالبة وزارة الموارد البشرية بمزيد من تسهيلات الاستقدام على حساب التوطين، وكل ذلك بحجة "تحفيز" و"دعم" القطاع الخاص، وهما الأمران اللذان يختلفان بدرجة كبيرة عما تبنته رؤية المملكة 2030، التي نظرت إلى القطاع على أنه الشريك المستهدف تنامي دوره ومساهمته في تنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز النمو المستدام، وتوفير مزيد من فرص العمل بما يسهم في خفض البطالة، إضافة إلى زيادة مساهمته في الإيرادات غير النفطية، وتعزيز الاستقرار المالي للمالية العامة.

أما بالنسبة إلى التحديات الخارجية، ففيما يرتبط بالأجهزة الحكومية، سيكون مجديا العمل المتكامل فيما بين الأجهزة المعنية على إعادة تقييم إجراءاتها التنظيمية والرقابية وجميع تعاملاتها المباشرة مع منشآت القطاع الخاص، وصولا إلى المنهجية الأكثر مواءمة بما لا يخفض من كفاءة إشرافها ورقابتها على تلك المنشآت، وفي الوقت ذاته بما لا يتجاوز بآثارها إلى التسبب في خسارة أو توقف نشاط المنشآت الخاضعة لها، ذلك أن الهدف النهائي هو ضبط وتنظيم نشاطات القطاع الخاص، ضمن الحدود التي تكفل استقرار منشآت القطاع، وتكفل أيضا تحقق المنفعة الاقتصادية الكلية من وجودها.

وفيما يتعلق بالآثار الناتجة عن كثير من الممارسات المخالفة في القطاع غير المنتج، ممثلا في اكتناز الأراضي والمضاربات عليها، إضافة إلى الرفع المبالغ فيه وغير المبرر في تكاليف الإيجارات، فإن الحلول موجودة وقائمة ولا تتطلب أكثر من زيادة كفاءة تنفيذها، تحقيقا للأهداف النهائية التي تضمنتها الأنظمة واللوائح التنفيذية، التي يأتي في مقدمتها نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، كأهم الأدوات في مواجهة اكتناز أو احتكار الأراضي، الذي متى وصل إلى أعلى درجات تأثيره عند التنفيذ الأكثر كفاءة، فستضعف بدرجة كبيرة على أثره عمليات المضاربات على الأراضي، ما سيؤدي إلى استقرار الأسعار عند مستويات عادلة وملائمة للأطراف كافة في جانبي العرض والطلب.

وبالنسبة إلى الارتفاع المطرد للإيجارات وما نتج عنه من تحديات أكبر على منشآت القطاع الخاص، فقد سبق الحديث عن أهمية إقرار تنظيم حكومي لسوق الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، الذي سيوفر وجوده كثيرا من الاستقرار لهذه السوق العملاقة محليا، وسيحمي بدرجة كبيرة مصالح الأطراف المستفيدة كافة "مؤجرين، مستأجرين"، إضافة إلى حماية استقرار الاقتصاد الوطني من أي احتمالات قد تفضي إلى مزيد من التضخم في الأسعار، ومن أي تداعيات عكسية كالتي يواجهها القطاع الخاص خلال الفترة الراهنة.

 

 

نقلا عن الاقتصادية