استجابة الأسواق العقارية لارتفاع الفائدة

10/07/2023 10
عبد الحميد العمري

كما كان متوقعا، قاومت الأسواق العقارية في مختلف الاقتصادات الآثار العكسية لارتفاع معدل الفائدة، وكانت أغلب التقديرات أن يستمر تمنع تلك الأسواق أمام ارتفاع تكلفة الرهون العقارية فترة أطول، إلا أنه للسرعة المطردة التي انتهجتها البنوك المركزية بقيادة "الاحتياطي الفيدرالي" في رفع الفائدة خلال عام ونيف الماضي، لم تتمكن أغلب الأسواق العقارية من الصمود لفترة أطول، وسرعان ما انخفضت نسبة الأسواق العقارية الرابحة من إجمالي الأسواق حول العالم حتى نهاية 2021 من 79.3 في المائة، وفقا لبيانات بنك التسويات الدولية BIS، لتستقر عند 25.9 في المائة بنهاية 2022، وارتفاع نسبة الأسواق الخاسرة إلى الإجمالي إلى أعلى من 74.1 في المائة، مقارنة بنسبتها المتدنية البالغة 20.7 في المائة في نهاية 2021.

ولم تتوقف استجابة أو تأثر الأسواق العقارية عند هذا الحد فحسب، بل امتدت إلى تصاعد نسبة انخفاض أسعار المساكن بوتيرة كانت الأعلى منذ الأزمة المالية العالمية 2008، بدأتها في الربع الرابع من 2022، وتزايدت خلال الربع الأول من العام الجاري. ففي الولايات المتحدة سجلت أسعار المساكن انخفاضا سنويا بلغت نسبته 2.6 في المائة بنهاية الربع الأول 2023، ويعد الانخفاض السنوي الأول لها منذ الربع الأول من 2012. وكانت أسعار المساكن في الولايات المتحدة قد شهدت تباطؤا في مكاسبها السنوية طوال العام الماضي، بدأته من 10.4 في المائة خلال الربع الأول من 2022، ثم 7.4 في المائة في الربع الثاني، ثم 3.0 في المائة في الربع الثالث، إلى أن تراجع إلى أدنى من 0.3 في المائة في الربع الرابع. واستهلت العام الجاري بتسجيلها خسارتها الأولى من مطلع 2012 بمعدل سنوي سلبي بلغ 2.6 في المائة، ويتوقع في ظل الإعلانات المتكررة من مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بترجيح رفعه معدل الفائدة مرتين حتى نهاية العام الجاري بمجموع 50 نقطة أساس، وأن تستمر مراقبته للتضخم حتى منتصف/ إلى نهاية 2025، والتأكد من خضوعه للهدف الفيدرالي بألا يتجاوز 2.0 في المائة بصورة مستدامة طوال الفترة.

لحق كثير من الأسواق العقارية حول العالم بالسوق الأمريكية، فوفقا لبيانات بنك التسويات الدولية BIS حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، سجلت أسعار المساكن في المملكة المتحدة انخفاضا سنويا بنسبة 4.6 في المائة، ووصلت إلى معدلات قياسية في ألمانيا للفترة نفسها بنسبة انخفاض سنوي بلغت 13.9 في المائة، وكابدت أسعار المساكن في السويد خسائر سنوية أكبر بنسبة وصلت إلى 16.5 في المائة، وبلغت نحو 13.8 في المائة في أستراليا، وسجلت أسعار المساكن في هونج كونج "تعد من أغلى المواقع عالميا" خسارة سنوية وصلت نسبتها إلى 12.0 في المائة، ولمن يريد التعرف على نسب التغيرات في أسعار المساكن حول العالم حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، يمكنه زيارة موقع بنك التسويات الدولية BIS، والتعرف من ثم على كامل البيانات المتعلقة باتجاهات أسعار المساكن حول العالم خلال الفترة 1966 ـ 2023 لفترات سنوية وربع سنوية.

محليا، لم تبتعد السوق العقارية كثيرا عن مسار الأسواق العالمية، فطوال عام مضى منذ مطلع النصف الثاني من العام المالي حتى تاريخه، شهدت السوق ركودا مستمرا، واستمر في الاتساع والتعمق شهرا بعد شهر، متأثرا بتسارع ارتفاع معدل الفائدة بصورة مطردة، ما انعكس بدوره على التمويل العقاري بالانخفاض، وتراجعه إلى أدنى مستوياته منذ 2019، وزاد من التأثير العكسي لما سبق من متغيرات، بداية التنفيذ الفعلي لترشيد الدعم السكني مع مطلع العام الجاري، ورغم التراجعات في حجم النشاط العقاري المحلي بنسب تفاوت بين 30 إلى أكثر من 40 في المائة على مستوى القيم وحجم المبيعات خلال الفترة، إلا أن الأسعار احتفظت في الغالب بثباتها واستقرارها طوال تلك الفترة، وقد تشهد السوق وفقا لتجاربها سابقا طوال العقود الماضية، بداية تنازل الأسعار من مستوياتها المرتفعة خلال الفترة الراهنة ومستقبلا، قياسا على استمرار تأثير العوامل المؤثرة في النشاط العقاري لفترة أطول مما سبق، بدءا من معدل الفائدة المرتفع، والمرشح وصوله إلى أعلى مستوى لها منذ مطلع 2021 مع نهاية الشهر الجاري، المتوقع أن يقوم خلاله الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع الفائدة بنحو 25 نقطة أساس، قياسا على التصريحات الأخيرة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات الأسواق، وقد تذهب إلى أعلى من ذلك قبل نهاية العام الجاري، متى ما قرر "الفيدرالي" تنفيذ تصريحاته السابقة أخيرا، باحتمال رفع الفائدة بنحو 50 نقطة أساس قبل نهاية العام الجاري.

لا شك أن ما تقدم ذكره من معطيات ومتغيرات، من شأنه أن يشكل في مجموعه ضغوطا أكبر على الأسواق العقارية حول العالم، ولا تقف تلك التحديات عند سوق عقارية بعينها محليا أو خارجيا، ومهما جاء حجم التصحيح في الأسعار الذي بدأت تشهده تلك الأسواق، لا يمكن تجاهل أطول فترة زمنية تجاوزت العقد الزمني من الارتفاعات المطردة لأسعار المساكن حول العالم، مستفيدة من تدني معدلات الفائدة منذ نهاية 2008 حتى ما قبل إجراءات وقرارات البنوك المركزية برفعها، التي بدأت متأخرة من منتصف آذار (مارس) 2022، وما زالت فاعلة ومستمرة حتى تاريخه، ما يشير -في حال استمر ارتفاع الفائدة فترة أطول- إلى زيادة احتمالات تكبد الأسواق العقارية خسائر أكبر مما كابدته خلال الفترة الراهنة، ولا بد من الإشارة هنا إلى تصريح سابق لجيروم باول "محافظ الفيدرالي الأمريكي"، ذكر فيه أن "الفيدرالي" يستهدف الأسعار المتضخمة للمساكن في الولايات المتحدة بالانخفاض، وأن حدوثه سيسهم بدرجة أساسية في كبح جماح التضخم في بلاده، وهو ما بدأ يتحقق، وفقا لأحدث مؤشرات السوق العقارية الأمريكية، والأمر الأكثر احتمالا بتكراره في أسواق عقارية أخرى حول العالم، نظرا إلى ما تمثله التغيرات في أسعار المساكن من وزن كبير في معادلة احتساب معدل التضخم، وستحظى الأسواق العقارية عالميا بمزيد من المراقبة والاهتمام طوال الفترة المقبلة، نظرا إلى أهميتها وثقل وزنها من جانب، ولما سيطرأ عليها من تغيرات مع استمرار ارتفاع معدل الفائدة، واستقرارها عند أعلى مستوياتها خلال أكثر من عقدين من الزمن.

 

 

نقلا عن الاقتصادية