«حماية المستهلك» .. درهم وقاية خير من قنطار علاج

17/04/2023 0
عبد الحميد العمري

طرح الزميل الكاتب محمد السويد، في مقاله الأخير فكرة تأسيس "وزارة حماية المستهلك" المنشور في صحيفة «الاقتصادية» الخميس الماضي، وانطلق في التوطيد لمقترحه من أرضية، "إن إنشاء وزارة لحماية المستهلك يجمع تحت إدارتها شتات همومه وشكاواه أصبح مسألة ضرورية، لتتفرغ وزارة التجارة إلى مهمتها الثقيلة، ومن الشواهد على تلك الحاجة الماسة وجود لجنة بمسمى اللجنة الدائمة لحماية المستهلك لها من العمر خمسة أعوام مكونة من عدد من الجهات الحكومية، لم ينتج عنها سوى رقم لاستقبال البلاغات".

لم تأت فكرة المقترح من فراغ، كما قد يعتقد كثير، بقدر ما إنها جاءت بعد تجارب واسعة جدا مع عديد من المشكلات والتحديات، التي عاناها وما زال المستهلك يعاني انعكاساتها السلبية، ليس التحكم في أسعار الخدمات والمنتجات والمغالاة فيها أو حتى التلاعب بها، والغش في عديد من المنتجات كالمساكن كأكبر مثال، وصولا إلى افتعال الشح في حالة عديد من السلع والمنتجات، بهدف رفع أسعارها على المستهلكين، على الرغم من توافرها بدرجة كافية في الأسواق المحلية، بناء على تقارير وإحصاءات رسمية، كل هذا ليس إلا ضربا للأمثلة لا على سبيل الحصر!

السؤال المحوري: هل الأسباب التي تقف وراء تكرار وتفشي تلك المشكلات والتحديات من فترة إلى أخرى، راجعة إلى غياب وجود وزارة أو هيئة حكومية مختصة بحماية المستهلك؟ أم أنها تعود إلى غياب نظام واضح وصريح في هذا الشأن؟ أم أنها تعود إلى ضعف تطبيق النظام القائم الآن في الأصل؟ أم أنها تعود إلى أسباب أخرى خارج تلك الأسباب السابق ذكرها؟

إذا تمكنت الأجهزة المعنية بهذا الجانب من التعرف على الأسباب الحقيقية، فقد تم إنجاز 50 في المائة من حل هذه المعضلة التنموية، ويمكن في ضوئها الوصول إلى اختيار العلاج الأنسب لها، وقد لا يكون العلاج الحقيقي والأفضل، كما قد تستنتجه قراءات معينة، قد تكون بنيت خارج التحليل الدقيق جدا لأسباب تلك المشكلة التنموية، التي طالما عاناها المستهلك طوال عقود زمنية مضت، تكررت وتنوعت بأشكال مختلفة من نشاط إلى آخر، ويكون ضحيتها الدائمة المستهلكين فقط دون غيرهم من بقية الأطراف ذوي العلاقة المباشرة وغير المباشرة.

حتى نصل جميعا إلى نتيجة عملية تنهي هذه المعضلة التنموية من جذورها العميقة، فقد يكون من المناسب جدا في الفترة الراهنة التي يشهد الاقتصاد الوطني خلالها أكبر حزمة من الإصلاحات والتغييرات الهيكلية الواسعة، أن يتم إقرار "برنامج وطني لحماية المستهلك" مماثل "للبرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري"، يضم جميع الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بالمستهلكين في كل النشاطات، ويتم إقرار لائحة عقوبات وجزاءات صارمة جدا على كل من يتورط في تعديات مهما كان نوعها على المستهلكين، والنظر بعد تجربة لا تتجاوز مدتها خمسة أعوام من عمر ذلك البرنامج الوطني الخاص بحماية المستهلك، بتقييمها بشكل كامل ودقيق، ومن ثم إقرار ما تتوصل إليه عملية التقييم الشامل، إما بتأسيس جهاز حكومي "وزارة أو هيئة" يتولى تحمل مسؤولية العمل على حماية المستهلك، وإما الخروج بأي قرار آخر يلبي نتائج التقييم الشامل للتجربة، أو حتى استمرار العمل بالبرنامج الوطني لحماية المستهلك.

لا بد من التأكيد في هذا الشأن، على أن العقوبات والجزاءات والغرامات متى ما كانت صارمة جدا، وكانت أكبر من أي مكاسب غير مشروعة مترتبة على الإضرار بالمستهلكين، لأي متورط في تلك الممارسات المخالفة نظاميا من المنشآت، وبأي شكل من أشكال الإضرار بالمستهلكين خصوصا، وعلى الأسواق المحلية عموما، فإن النتيجة الأهم التي سيتم الحصول عليها في الأجل الطويل، ستأتي بنتائج إيجابية جدا، الرابط المشترك الأهم فيها هو تضييق قنوات الإضرار بالمستهلكين إلى أضيق الحدود الممكنة، التي ستكون بكل تأكيد أفضل بمراحل كبيرة جدا من الأوضاع الراهنة، والسبب الرئيس في ذلك يكمن في التوجه مباشرة إلى الضرب بيد من حديد على العامل الأول للإضرار بالمستهلك وسوء استغلاله، ذلك العامل الذي دفع المتورط في تلك الممارسات المخالفة بارتكابها، المتمثلة في البحث عن مكاسب غير مشروعة، تدفع بالساعي والباحث عنها إلى تحمله جزاءات وغرامات أكبر بكثير من أي مكاسب غير مشروعة محتملة، التي يمكن بحال تكرارها إضافة إلى تلك الغرامات باهظة الثمن أن تصل إلى إغلاق نشاطه نهائيا.

يجب في هذا المجال التنموي المهم، ألا تقف العقوبة عند حدود القاعدة القانونية "الجزاء من جنس العمل"، بل لا بد إذا أردنا جميعا القضاء على هذه الممارسات المخالفة والضارة جدا ببيئة الأعمال المحلية، أن تتجاوز كل ذلك إلى إقرار الأنظمة والإجراءات الرادعة التي تكفل إلى أبعد الحدود ضمان وجود بيئة أعمال محلية نقية تماما من تلك الممارسات، وصولا إلى العمل الصارم بتحقيق الوقاية التامة والشاملة لبيئة الأعمال المحلية من الممارسات المخالفة، وتقديمها على حال المعاقبة والجزاء بحال ارتكاب تلك الممارسات، وأن درهم وقاية منها أفضل مليون مرة من قنطار العلاج منها.

 

 

نقلا عن الاقتصادية