وقفة مع نظام الشركات السعودي الجديد

23/02/2023 1
د. محيي الدين عدنان الحجار

صدر نظام الشركات السعودي الجديد بالمرسوم الملكي رقم م/132 في 1/12/1443ه الموافق 30/6/2022م بهدف توفير بيئة حاضنة ومحفزة للاستثمار، وتعزيز قيمة الشركات وتنمية نشاطها وإسهامها في خدمة الاقتصاد المحلّي. وقد دخل النظام الجديد حيّز التنفيذ اعتباراً من الخميس 26 جمادى الآخرة 1444هـ الموافق 19 يناير 2023م. كما صدرت اللوائح التنفيذية للنظام في 23/06/1444 بقرار من وزير التجارة ومحافظ هيئة السوق المالية كل فيما يخصه تبيّن ما أجمله النظام في بعض المسائل.

يشكل هذا النظام الجديد امتداداً للنشاط التنظيمي في المملكة وتطويراً لأنظمة الشركات التي ظهر أولها عام 1385ه (1975م) ويليه النظام الصادر عام 1437ه (2016م) في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله. ويلاحظ صدور النظام الجديد بعد فترة يسيرة من صدور النظام السابق (عام 1437ه) مما يدلّ على الرغبة الجادة للمنظم السعودي في تطوير الإطار القانوني للشركات عبر إضفاء تغيير جوهري بالنظر إلى النظام السابق، وإنشاء البيئة القانونية الجاذبة للاستثمارات والمشاريع وفقاً لرؤية 2030.

وقد اعتمدت اللجان التحضيرية على دراسة  معيارية تشمل المقارنة مع أبرز التشريعات العالمية والمحلية مستندة على القوانين الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإماراتية والسنغافورية كما صرّحت بذلك الوثيقة التعريفية بالنظام الجديد الصادرة عن وزارة التجارة. وقد أدى هذا التوسع في الاستقراء والتحضير إلى ظهور النظام بمظهر متوازن بين كافة المدارس القانونية (أمريكا وبريطانيا وفرنسا) بالإضافة إلى مراعاة احتياجات المجتمع المحلي والواقع الإقليمي عبر الاستفادة من التجربتين المميزتين في سنغافورة والإمارات.

وتميّز النظام باعتماد شكل قانوني جديد للشركات ألا وهو شركة المساهمة المبسطة المستمدّ من القانون الفرنسي والتي تعتبر من أكثر أنواع الشركات اعتماداً في فرنسا. وتلبّي هذه الشركة احتياجات ومتطلبات ريادة الأعمال وتناسب الشركات الصغيرة والمتوسطة. ويمكن وفق النظام الجديد تأسيسها من شخص واحد أو أكثر، ويقسم رأس مالها إلى أسهم قابلة للتداول، وتكون الشركة وحدها مسؤولة عن الديون والالتزامات (م.150). وتتميّز هذه الشركة بعدم وجود حدّ أدنى لرأس المال مع مرونة في تداول الأسهم (م.156)، وتبسيط إدارتها التي يمكن تحديد آلياتها بإرادة المؤسسين مع عدم إلزامها بإنشاء الهيئات الإدارية المعروفة في الشركات المساهمة (م.152-153). وهذا النوع من الشركات غير معروف في العالم العربي مما يجعل إدخال هذا الشكل القانوني الجديد دليلاً واضحاً على رغبة المنظّم في خلق إطار قانوني تنافسي وتقديم وسيلة جاذبة للاستثمارات. 

ولا ينحصر توجه تسهيل نشاط الشركات في اعتماد الشركات المساهمة المبسطة بل هو منهج عامّ تصبغ النظام بكامله. إذ يظهر توجّه النظام نحو تسهيل نشاط الشركات وتبسيط إجراءات تأسيسها عبر إزالة العديد من القيود في جميع مراحل حياة الشركة (التأسيس والممارسة والتخارج) مقارنة بما كان عليه الأمر في النظام القديم وبما هو مقرّر في العديد من الدول الغربية.

وأُعِدَّ النظام في ضوء الممارسات الدولية، فنراه ينظم الأحكام المتعلقة بالعديد من أنواع الشركات كالتجارية وغير الربحية والقابضة والمهنية، لضمان توافر تلك الأحكام في وثيقة تشريعية واحدة. وهنا يظهر مأخذ على النظام الحالي لناحية عدم شموله لأحد الأنواع الخاصة للشركات. ففي مقابل تخصيص الباب التاسع لتأطير أحكام الشركات القابضة (م. 216 إلى 219)، نلاحظ غياب أي ذكر للشركات ذات النشاط الخارجي (أوف شور). وهذه الشركات تدلّ على الدور الإقليمي للدولة، إذ إنّ هذه الشركات تنشط في الدول الجاذبة للمستثمرين والمسهّلة لتقديم الخدمات الخارجية. ومن أمثلة استخدام هذا النوع من الشركات تقديم الخدمات التقنية الحديثة عن بعد وتقديم الاستشارات والدراسات ناهيك عن عمليات الاستيراد والتصدير وإدارة المشاريع والاستثمارات الخارجية. لذا نتمنى صدور قواعد تنفيذية خاصّة بالشركات ذات النشاط الخارجي مع تسهيل إنشائها خاصة للأجانب لما في ذلك من جذب للراغبين بالإقامة في مملكة الخير من الأجانب ذوي الأنشطة المنتشرة خارج المملكة بحيث يمكنهم الاستقرار فيها والمساهمة عبر ذلك في اقتصادها. 

كما نلاحظ اتجاه النظام نحو جذب الاستثمارات الخارجية وإدخال المؤسسات الأجنبية إلى المملكة حيث سهّل النظام ممارسة الشركة الأجنبية للأنشطة والأعمال في المملكة من خلال فرع أو مكتب تمثيل «وفقاً لنظام الاستثمار الأجنبي»، مع اشتراط تعيين مراجع للحسابات لهذه الشركات حتّى ولو كانت صغيرة الحجم (م.19). 

ويتّجه النظام الجديد بشكل واضح نحو دعم الاقتصاد وتسهيل عمل الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة. إذ استثنى النظام الشركات متناهية الصغر والصغيرة من متطلب تعيين مراجع الحسابات مراعاة لحداثتها وحجمها. ونلاحظ ارتفاع السقف الفاصل بين الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الكبيرة مقارنة بما هو معمول به في الدول الغربيّة، وهذا يرجع إلى مراعاة الواقع الاقتصادي المحلّي والرغبة في تشجيع إنشاء الشركات وريادة الأعمال عبر توسعة مجال التسهيلات القانونية للشركات الصغيرة والمتوسطة.

ويتميّز النظام الجديد في مراعاة البيئة الاقتصادية الوطنيّة عبر الاهتمام بالشركات العائلية، وهو أحد الهياكل الاقتصادية المنتشرة في المملكة. لذا نصّ النظام على إمكان إبرام «ميثاق عائلي» لتنظيم الملكية العائلية في الشركة وحوكمتها وإدارتها وسياسة العمل، وتوظيف أفراد العائلة، وآلية توزيع الأرباح، وآلية التصرف بالحصص أو الأسهم، وآلية تسوية المنازعات أو الخلافات (م.19).

كما يلاحظ أن التعريف المقرّر في النظام الجديد للشركة مبني على مفهوم «الكيان القانوني» مما سمح بالخروج من النظرية التقليدية التي تعتبر الشركات عقداً بين شخصين فأكثر وسمح بالتوافق بين طبيعة الشركة وإمكان إنشاء شركات الشخص الواحد. وقد جعل النظام «الكيان القانوني» مبنياً على عقد أو نظام وفقاً لعدد مؤسسي الشركة ولشكل الشركة. وهذا يدلّ على دقّة في الصياغة القانونية.

ويعترف النظام بالشركات المهنيّة كنوع من أنواع الشركات بالنظر لمضمونها ولها اتخاذ أي شكل من أشكال الشركات المذكورة في المادة الرابعة من النظام. وموضوع هذه الشركات ممارسة مهنة حرة ينشئها «شخص أو أكثر من المرخص لهم نظامًا في ممارسة مهنة حرة واحدة أو أكثر» (م.197) وهذا يحصر إنشاء الشركات المهنية بالمهن المنظّمة قانوناً وهي مهن مدنيّة. ولهذا استثنى النظام الشركاء في هذه الشركات من اكتساب صفة التاجر (م.199). فالذي يظهر أنّ النظام الجديد يتوجّه نحو اعتبار الصفة التجارية للشركات تبعاً للشكل. فكلّ شركة هي شركة تجاريّة وتسجّل في السجلّ التجاري (م.6) ويكتسب مديرها صفة التاجر، مع الاستثناء المذكور للشركات المهنيّة. وهنا يطرح سؤال لماذا لم يقرّر النظام السعودي التمييز بين الشركات التجاريّة والشركات المدنيّة تبعاً لموضوع الشركة. يمكننا ردّ هذا الأمر إلى أنّ الأثر الرئيس في التمييز بين نوعي الشركات يرجع إلى الاختلاف الجذري في النظام الضريبي بين النوعين حسبما هو معروف في القوانين الأجنبية، بينما الدول التي لا تميّز بين النوعين تفرض أنظمة ضريبية مختلفة تبعاً لأشكال الشركات المعتمدة بحيث يتناسب كل شكل مع طبيعة موضوعها. لذا فالتمييز بين الشركات المدنيّة والشركات التجاريّة لا يحتاج إليه بشكل كبير في البيئة القانونية السعودية حيث السقوف الضريبية منخفضة، ولكن من الأفضل اعتماده لرفع صفة التاجر عن مديري الشركات ذات الموضوع المدني من غير أصحاب المهن المنظمة. 

ويلاحظ كذلك أن النظام الجديد يشير إلى إمكان فرض تأمينات مهنية على الشركات المهنية للتغطية على الأخطاء المهنية بقرار من وزير التجارة بعد التشاور مع الجهات المعنيّة بالرقابة على هذه المهن (م.210). وهنا يلزمنا التوقف عند هذه النقطة والاستفادة من نظام التأمين المهني المنتشر في الدول الغربيّة بشكل كبير بحيث لا يمكن ممارسة الكثير من الأنشطة المهنية دون تأمينات مهنية مرتبطة بها سواء كان النشاط ضمن المهن الحرّة كالاستشارات المالية وإدارة الأصول والمهن الطبية والصيدلة والاستشارات الهندسية أو ضمن المهن التجارية كالمقاولات والإنشاءات والنقل. ونلاحظ غياب هذا النوع من التأمين في كافة الدول العربيّة كنظام عام حاكم لكافة الأنشطة المهنيّة. لذا نرى أهمية قيام الجهات التشريعية في المملكة بوضع نظام مستقلّ للتأمينات المهنية بحيث تكون الدولة العربية الأولى التي تقرّر نظاماً متكاملاً للتأمينات المهنيّة على نسق ما نراه في العديد من الدول الأجنبية. فكم سمعنا من زملائنا المحامين عن حالات عدم تسديد التعويضات المقررة في المحاكم في العديد من الدول العربية لصالح المتضررين من أنشطة مهنيّة بسبب تعذّر تقديم المحكوم عليهم للتعويضات المقرّرة. وإنّنا نرى أنّ اعتماد المملكة لنظام تأمين مهني إلزامي يساهم في تطوير الإطار القانوني وتشجيع الاستثمارات وتأكيد الطبيعة الحمائية للبنية الاقتصادية الوطنية.

واعتمد النظام الجديد الشركات غير الربحيّة كنوع خاص من أنواع الشركات بالنظر إلى موضوعها، إذ لا تشكّل شكلاً قانونياً مستقلّاً بل هي شركة تأخذ أحد الأشكال القانونية المذكورة في المادة الرابعة من النظام، ويكمن تميّزها بالنظر إلى موضوعها غير الربحي. فمن الملفت للنظر عدم اعتماد أحد الأشكال القانونية الخاصة بالشركات غير الربحية المعروفة في أوروبا وأمريكا. وهنا لا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّ اعتماد شكل قانوني للشركات يعكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً معيّناً. فالشركات التعاونية في أوروبا وأمريكا تُعتمد بشكل أساس كوعاء قانوني لنقل الثروات بين الأجيال أو بين الأشخاص دون الخضوع للضرائب المرتفعة أو لغير ذلك من الغايات الضريبيّة، كما تنشط هذه الشركات في بعض القطاعات الإنتاجية (الزراعيّة خاصة). ولا يظهر لنا أن الواقع الحالي في المملكة أو في العالم العربي عامّة يعرض إمكانات نمو هذا النوع من الشركات لقلّة الفوارق العملية بينها وبين الجمعيات الأهليّة. ولكننا نلاحظ وجود شكل قانوني للشركات التعاونية متميّز في بعض الدول الغربية وتحديداً فرنسا وألمانيا وكندا، ويتمثّل في الشركات التعاونية التأمينية والمصارف التعاونيّة. ولكننا نرى أن تشريعات هذه الدول تكتفي بالإشارة بشكل مقتضب في قانون الشركات إلى المصارف التعاونية وشركات التأمين التعاوني بينما تنظمها بشكل موسّع في قوانين التأمين والمصارف.

وختاماً، فإن انتشار شكل من أشكال الشركات في التطبيق العملي لا يرتبط فقط بإطاره القانوني بل يرتبط بالعديد من الأسباب الأخرى مثل ثقافة المجتمع وسلوكه وانتشاره بين الممارسين كشركات المسؤولية المحدودة أو كونه نتاج واقع اقتصادي واجتماعي جعله متجذّراً في الواقع المجتمعي فأقرّته القوانين كما هو حال شركات التأمين التعاوني والمصارف التعاونية. ويبقى أنّ الإطار الضريبي هو الأكثر تأثيراً في توجيه الممارسة العملية إلى تفضيل شكل قانوني على آخر تبعاً لطبيعة موضوع الشركة، وهو ما نراه في الدول الغربية ذات السقوف الضريبية المرتفعة.

وبشكل عام، نلاحظ أنّ النظام الجديد قد تحرّر من القيود التقليدية المعروفة في قوانين الشركات وساهم في خلق بيئة قانونية تنافسيّة تساعد المملكة في تطوير البيئة الاقتصادية المحليّة وجذب الاستثمارات الخارجية وهو ما يندرج في دعم المنظور الاقتصادي الذي وضعته المملكة في إطار رؤية 2030. ونتمنى استكمال هذا النظام بإصدار ما يكمّله من قواعد وإردافه بالمزيد من الأنظمة الحديثة والمتطورة التي تعتمد على مجموع المدارس القانونية العالميّة دون الانكفاء على مدرسة قانونيّة واحدة مع مراعاة الواقع الاقتصادي الوطني.

 
 
خاص_الفابيتا