مائة عام من ترفيه ديزني

20/02/2023 2
د. عبدالله الردادي

في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1923، انتقل «والت ديزني» وأخوه «روي» من كانساس إلى كاليفورنيا الأميركيتين لتأسيس ستوديو للرسوم المتحركة، بإمكانيات بسيطة وطموحات كبيرة. تمكن الأَخَوان من تأسيس شركتهما قبل انطلاقتها في عام 1928 بإطلاق فيلم «ميكي ماوس» الذي كان البداية الحقيقية لاستوديوهات «والت ديزني» عملاق صناعة الترفيه العالمي. تعد «والت ديزني» اليوم أكبر شركة ترفيه في العالم بقيمة سوقية تبلغ 180 مليار دولار، كيف لا وهي تملك المدن الترفيهية، والاستوديوهات العملاقة، وشبكات «ABC» التلفزيونية، و«ESPN» الرياضية، إضافة إلى خدمات بث الفيديو عبر الإنترنت. ولكن مع ازدياد حجم الشركة التي تعدى عمرها مائة عام، زادت مشاكلها، مما جعل مجلس إدارتها يقيل الرئيس التنفيذي «بوب تشابك» ويعيد الرئيس السابق «بوب إيغر» من التقاعد. فما هي المشاكل التي دعت ديزني إلى إقالة رئيس تنفيذي بعد سنتين من توليه منصبه؟

في وقت ارتفعت فيه أسهم الشركات بعد الجائحة، ارتفعت أسهم ديزني بشكل ملحوظ بسبب الإقبال على وسائل الترفيه المتعددة، ولكن أسهم ديزني وصلت قمتها في 2021، وانخفضت بعد ذلك لتخسر نحو نصف قيمتها. هذا الانخفاض صاحبه إعلان عدد من الخسائر لديزني لعل أهمها هو خسارة خدمة «Disney » 1.5 مليار دولار للربع الأخير. كانت هذه الخسارة المسمار الأخير في نعش الرئيس التنفيذي السابق. وللمعلومية، فإن عدد المشتركين لديزني يتعدى وبرقم كبير مشتركي منافستها «نتفليكس» إذا ما حُسبت أعداد مشتركي خدمتي ESPN وHulu المملوكتين لديزني. وتعاني ديزني في هذه الخدمة لكونها لم تعتد على التعامل المباشر مع المستخدم النهائي، فطوال تاريخ ديزني كان تعاملها مع دور السينما ومع شركات المبيعات التي تتولى التعامل المباشر مع العملاء النهائيين.

وقد حاولت ديزني خلال الفترة الماضية كسب المشتركين وملء مكتبتها بالأفلام والمسلسلات، ولكن المنافسة شرسة للغاية مع كل من «أبل» و«أمازون». وبحسب تصريح الرئيس السابق لـ«نتفليكس»، فإن المنافسة مع الشركات التقنية في كتابة الشيكات الضخمة أمر في غاية الصعوبة، مما جعل الشركات الأخرى تكتفي بـ«الفرجة» عليها وهي تفوز بحقوق النشر. ومنافسة شركات الترفيه التي تمول العديد من مشاريعها عبر الديون (ديون ديزني نحو 37 مليار دولار)، صعبة للغاية مع الشركات التقنية التي لا تعتمد على الديون إطلاقاً في تمويل مشاريعها، بل على العكس، هي تملك احتياطيات نقدية مرتفعة جداً تعطيها الحرية في الاستثمار في مشاريع خطرة دون تأثر النشاط الأساسي للشركات.

ولا تقف معاناة ديزني عند ذلك فحسب، فهي تعتمد على شباك تذاكر السينما بشكل أساسي، ففي أكثر عشرة أفلام دخلاً في الولايات المتحدة لعام 2022، كانت 4 من أفلام ديزني حاضرة. ولكن الإقبال على السينما لم يعد كما هو، وليست الجائحة وحدها الملامة في ذلك، فقبل الجائحة وفي عام 2019، نقص عدد معدل الأفلام المشاهدة في السينما سنوياً إلى 3.5 مقارنة بـ5 في عام 2000! أما بالنسبة للتلفاز فحدث ولا حرج، فالأرقام في انخفاض مستمر خلال السنوات الماضية، والاشتراكات التلفزيونية لا تزال تخسر للاشتراكات عبر الإنترنت بشكل متصاعد، وبينما كانت التوقعات السابقة تشير إلى انخفاض بنسبة 4 في المائة، جاءت التوقعات الجديدة لتصل النسبة إلى 17 في المائة!

هذا الرتم من توجهات السوق جعل الرئيس الجديد يأتي بخطة جديدة، تطمح إلى النمو المستدام الربحي، حيث التركيز المستقبلي على الربحية وليس على النمو، ولذلك فإن أولى خطواته كانت بالإعلان عن الاستغناء عن نحو 7000 موظف يشكلون نحو 3 في المائة من القوى العاملة في ديزني، ثم ارتفعت بعد هذا الإعلان أسهم الشركة بنحو 9 في المائة. في إشارة واضحة إلى السوق يؤمن أن الشركة بحاجة ماسة إلى إعادة الهيكلة، وأن ما جعل الشركة تنجح للمائة عام الماضية لن يجعلها تنجح للمائة عام القادمة، هذه الفكرة اتبعتها العديد من الشركات التي أكملت عامها المائة، وها هي ديزني الآن تتبع المبدأ ذاته.

إن السنتين القادمتين لديزني حساستان للغاية ومحددتان لمصير ديزني، وهي المدة التي أعطاها مجلس الإدارة للرئيس التنفيذي الجديد، فانهيار الشركات العملاقة القديمة لم يعد مستغرباً بالنظر إلى العديد من الشركات التي سقطت خلال الأعوام الخمسة الماضية. وإحراق الأموال بهدف نمو الشركة لم يعد مقبولاً لدى العديد من الشركات، لا سيما مع ارتفاع أسعار الفائدة الذي جعل الخسائر أكثر إيلاماً من قبل. ويبدو أن ديزني في الوقت الحالي لا تتطلع إلى النمو بل إلى الصمود وتحقيق الأرباح، وهو تواضع واقعي من شركة تستحضر كلمة مؤسسها الذي قال يوماً: «دعونا لا ننسى أن كل ما نراه بدأ بفأر!».

 

 

نقلا عن الشرق الأوسط