سقف 60 دولاراً للنفط الروسي

06/12/2022 0
وليد خدوري

وافق أعضاء السوق الأوروبية المشتركة عشية حظر استيراد النفط الروسي عبر الأنابيب، وبعد أشهر من المناقشات، على سقف لصادرات النفط الروسية العالمية لأطراف أخرى بحدود 60 دولاراً للبرميل، وذلك لتقليص الريع النفطي للكرملين، عقاباً على الغزو الروسي لأوكرانيا للإضرار بالاقتصاد الروسي ولتقليص الاعتماد الأوروبي على روسيا، وهو مطلب أميركي قديم يعود إلى عقد الثمانينات عند عقد الاتفاقات البترولية الروسية - الأوروبية.

وقد اتخذ القرار الجماعي بعد معارضة شديدة لبولندا التي احتجت على القرار حتى اللحظة الأخيرة. وقد طالبت وارسو بقرار ذي سقف أقل من 60 دولاراً لفرض عقوبات أشد على روسيا. ويهدف القرار، بشكل خاص أيضاً، لشمول الصين والهند. لكن وافقت بولندا على سقف 60 دولاراً بشرط مراجعة القرار دورياً، للتأكد أن سقف سعر النفط الروسي يبقى على الأقل 5 في المائة أقل من معدل سعر السوق.

سيؤدي هذا القرار الأوروبي إلى وضع السقف السعري ابتداءً من هذا الأسبوع، وبالذات 5 ديسمبر (كانون الأول) عند توقف الدول الأوروبية عن استيراد النفط الروسي عبر الأنابيب وبدء استيراده عبر الناقلات. ويتوقع أن توافق مجموعة السبع على القرار الذي سيشمل أيضاً الصادرات النفطية الروسية للصين والهند. ومن الملاحظ أن الصادرات الروسية النفطية للأقطار الأوروبية والصين والهند ستشحن عن طريق الناقلات. وبحسب مصادر واشنطن، فإن أي دولة أو شركة تخالف سعر هذا السقف، ستُفرَض عندئذ عقوبات على الشركات المصدرة والمستوردة، بالإضافة إلى شركات الشحن والتأمين. ويتم شحن معظم النفط الروسي خارج الدول الأوروبية على ناقلات مملوكة من قبل الدول الغربية كما يتم تأمين الناقلات من قبل شركات تأمين غربية، ومن ثم إمكانية مراقبة تصدير النفط الروسي وفرض العقوبات على الجهات التي تخالف القرار.

اعتمدت الصناعة النفطية الروسية على تصدير النفط والغاز إلى أوروبا والصين عبر الأنابيب طويلة المدى، بدلاً من الشحن بالناقلات. ومن ثم، سيؤمن قرار السوق الأوروبية استمرار شحن النفط الروسي للصين والهند، لكن بسعر أقل من سعر السوق، الذي يتراوح خلال هذه الفترة ما بين 85 دولاراً - 100 دولار للبرميل (حالياً نحو 86 دولاراً للبرميل).

فالاعتماد على رقابة التصدير سيكون عن طرق متعددة: الشركات النفطية المصدرة والمستوردة، لكن الأهم من ذلك شركات التأمين الأوروبية أو الأميركية التي تتحمل في نهاية المطاف التأمين على شحن النفط العالمي. وبحسب تصريحات المسؤولين الغربيين، فإن الهدف هو الاستمرار بتزويد الصين والهند السوقين الضخمتين للطاقة آسيوياً وعالمياً، دون حصول عجز للإمدادات فيهما مما قد يربك الأسواق العالمية، لكن في الوقت نفسه فرض رقابة وعقوبات صارمة على الشركات التي تشارك في مبيعات النفط الروسي بسعر أعلى من 60 دولاراً.

من جهتها، أعلنت موسكو أنها لن تبيع النفط إلى أي دولة تشارك في مبيعات السقف بالأسعار المخفضة. لكن، لم تعلن الصين أو الهند حتى الآن، الدولتان اللتان زادتا استيرادهما من النفط الروسي بعد حرب أوكرانيا، أنهما ستخفضان أو تمتنعان عن استيراد النفط الروسي. ومن المعروف أن هاتين الدولتين الآسيويتين زادتا استيرادهما من النفط الروسي منذ حرب أوكرانيا وحصلتا على حسومات بسبب زيادة استيرادهما لهذه الإمدادات التي حظرت أوروبا استيرادها.

اقترحت السوق الأوروبية في بادئ الأمر سقف 70 دولاراً للبرميل، إلا أن إصرار بولندا ودول أخرى على سقف أقل أدى إلى تخفيض السقف إلى 60 دولاراً. وقد حصلت بولندا في الوقت نفسه على تنازلات بفرض عقوبات مستقبلية (غير معلنة حتى الآن) على روسيا.

اقترح قرار سقف سعري للنفط الروسي أولاً من قبل واشنطن. وهدفها هو الإضرار بالاقتصاد الروسي، وضمان تصدير إمدادات نفطية كافية للسوقين الضخمتين، الصين والهند، كي لا يحدث ارتباك في إمدادات الأسواق العالمية. ويتوقع بعض المراقبين أن تتفاوض الشركات الصينية والهندية في هذه الظروف لتخفيض السعر عن 60 دولاراً، إذا أمكن. ومن الجدير بالذكر، أن روسيا كانت تصدر نحو 3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام إلى أوروبا.

يشكل قرار السعر السقفي أكبر تدخل للولايات المتحدة وأوروبا في الأسواق النفطية العالمية منذ قرار المقاطعة الذي فرضه مجلس الأمن على النفط العراقي عام 1990.

أشارت المداولات والمناقشات داخل أعضاء مجموعة السوق الأوروبية وبين أوروبا والولايات المتحدة إلى اختلاف الرؤى والمصالح ما بين الطرفين حول: فك الاعتماد الأوروبي على البترول الروسي، ومعاقبة روسيا لاجتياحها أوكرانيا. وبما أن الولايات المتحدة لا تعتمد على البترول الروسي، فهي بنفسها دولة بترولية ضخمة مصدرة للبترول. فلم تطلب الولايات المتحدة عقوبات متشددة على روسيا، عقوبات قد تربك الأسواق العالمية. لكن في الوقت نفسه، دافعت بولندا وبقية أقطار أوروبا الشرقية عن عقوبات مشددة على روسيا وإجراءات للحد من ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

بدا واضحاً خلال الأشهر الماضية، أن سياسات التكتل الأميركي - الأوروبي قد اتخذت مواقف موحدة لمحاربة روسيا اقتصادياً، والربط بينها وبين سياسات مكافحة تغير المناخ وتحول الطاقة. وهذا ما يوضح من ناحية الانتقادات التي وجهت لسياسات مجموعة أوبك بلس الإنتاجية. لكن هذا ليس بالأمر السهل. فمجموعة أوبك بلس تضم أكبر دولتين منتجتين ومصدرتين للبترول عالمياً (السعودية وروسيا). كما أن الصين والهند من أضخم الأسواق التي تستهلك الطاقة. والصين أكبر منتج للسيارات الكهربائية والألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم. هذا ناهيك عن أن الصين وروسيا تمتلكان احتياطات كثيرة من المعادن النادرة المهمة في سلع الطاقات المستدامة مثل الكوبالت والليثيوم.

 

 

نقلا عن الشرق الأوسط