قراءات في الأسواق المالية (5)

28/11/2021 0
عادل عبدالكريم

المضاربة - في الاستعمال المعاصر - ترجمة لكلمة أجنبية، هي ) Speculationسبكِليشن) وهي تعني في الأصل: التفكر والتأمل، كما تعني التخمين والحزر، ولعله على هذا المعنى بنى بعض الباحثين تعريفه للمضاربة، حين عرفها البعض بأنها: (تقدير فرص الكسب لانتهازها، واحتمالات الخسارة لاجتنابها). وكذلك (التنبؤ، أي: أن الإنسان يتنبأ بالفرص المواتية وغير المواتية، ينتهز الأولى ويحقق من ورائها الربح، ويتجنب الثانية حتى لا تحل به الخسارة). ومن هنا عرفت المضاربة في الاصطلاح الاقتصادي المعاصر بتعريفات متقاربة، لعل من أبرزها: (بيع أو شراء، لا لحاجة راهنة، ولكن للاستفادة من فروق الأسعار الناتجة عن تنبؤ في تغيرات قيم الأوراق المالية).

ووفقًا لهذا التعريف، فإن من يشتري أوراقًا مالية مثلاً، لا بقصد الاحتفاظ بها واستيفاء أرباحها عند توزيعها، وإنما بقصد بيعها والحصول على الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع عندما تتحقق توقعاته، فهو مضارب. ومن هنا عرف المضارب بأنه: (شخص يقوم بمغامرة كبيرة نسبيا؛ على أمل تحقيق مكاسب، ويكون هدفه الأول زيادة رأس المال، لا الدخل الذي توفره حصص الأرباح). ويجلي هذا المعنى بوضوح التعريف التالي الذي يعرف المضاربة بأنها: (عمليات بيع وشراء، يقوم بها أشخاص لا بقصد استلام أرباح الأسهم أو فوائد السندات، وإنما لجني ربح من الفروق الطبيعية التي تحدث في الأسعار بين وقت وآخر، وتسمى أرباحا رأسمالية). ووصف الفروق بالطبيعية احتراز من الفروق المصطنعة التي تنشأ عن الممارسات التي يسلكها بعض المضاربين للتأثير على الأسعار، مثل الإشاعات، وعقد الصفقات الوهمية، وغير ذلك.

وفي تعريف آخر، مع إضافة قيد آخر، وهو التعريف الذي يعرف المضاربة بأنها: (عملية بيع أو شراء، تتبع بعملية أخرى عكسية، يقوم بها أشخاص، بناء على معلومات مسببة، مجتهدين في الاستفادة من الفروق الطبيعية لأسعار السلع، سواء كانت أوراقًا مالية، أو بضائع، وذلك في الزمان أو المكان؛ بغرض الربح من جرائها). فوصف المعلومات بالمسببة، يشير إلى أن المضاربة المقبولة هي المبنية على معلومات دقيقة، تعطي تصورا صحيحا وكاملاً عن الشركة مصدرة الورقة المالية، من حيث متانة مركزها المالي، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وتمويل استثماراتها، وتحقيق أرباح مناسبة في المستقبل، بحيث يكون التعامل في أسهم هذه الشركة مبنيا على حسابات دقيقة، وتكون الأسعار الناتجة عن ذلك مبررة من الناحية الاقتصادية. أما الإقدام على التعامل في أسهم شركة معينة، دون أن يكون ذلك مبنيا على مثل هذه المعلومات، بل يكون الباعث على ذلك الحدس أو التخمين المجرد، فإن ذلك يكون إلى المقامرة أقرب منه إلى المضاربة، وفقًا للمعنى الذي تعرف به المقامرة حيث يعرف بها بعض الباحثين بقوله: (عندما يستخدم هذا المصطلح في سوق الأسهم، فإنه يعني: بيع الأسهم والسندات أو شراءها بشكل عشوائي، دون تقصي احتمالات الربح والخسارة). ومن هنا عرف المقامر بأنه: (الذي يقوم بعقد الصفقات اعتمادا على الحظ، دون أية خبرة أو دراسة، بل بالتخمين والاندفاع، والبورصة في نظره كمائدة القمار).

والحقيقة أن التفريق بين المضاربة والمقامرة، أو بين المضارب والمقامر ليس بذاك الوضوح؛ ذلك أنه ليس مبنيا على طبيعة عقد البيع أو الشراء الذي يبرمه المضارب أو المقامر، وإنما يعتمد التشبيه بالمقامر، بجامع أن المتعامل الذي لا يبني تعامله على دراسة ونظر يشبه المقامر الذي يقدم على التعامل مع الخطر الكبير والغرر البين، أو كما يقول التعريف السابق: اعتمادا على الحظ. ومن تعريفات المضاربة تعريفها بأنها: (الشراء أو البيع في الحاضر، بأمل الشراء أو البيع في المستقبل عندما تتغير الأسعار). وتعرف ايضا بأنها: (شراء بقصد البيع بسعر أعلى، أو بيع بغرض تعويض ما باعه بسعر أقل).

ومن هنا فإنه إذا روعي في معنى المضاربة العمل الذي يقوم به المضارب، وهو البيع والشراء بقصد الربح، تكون المضاربة - بالاصطلاح المعاصر - نوعا من المتاجرة والسعي لطلب الكسب، وهي - بهذا المعنى اشتقاق - لغوي صحيح، قال في لسان العرب: (ضرب في الأرض يضرب ضربا، وضربانًا، ومضرابا بالفتح: خرج فيها تاجرا، أو غازيا، وقيل: أسرع، وقيل: ذهب فيها، وقيل: سار في ابتغاء الرزق، يقال: إن لي في ألف درهم لمضربا أي: ضربا، والطير الضوارب: التي تطلب الرزق، وضربت في الأرض أبتغي الخير من الرزق، قال الله عز وجل: "لايَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ" ويقال: ضرب في الأرض، إذا سار فيها مسافرا، فهو ضارب، والضرب يقع على جميع الأعمال إلا قليلاً، ضرب في التجارة، وفي الأرض، وفي سبيل الله، وضاربه في المال، من المضاربة، وهي القراض. وقد أقر مجمع اللغة العربية في القاهرة هذا المعنى للمضاربة، وعرفها بقوله: (المضاربة في الاقتصاد: عملية من بيع أو شراء، يقوم بها أشخاص خبيرون بالسوق؛ للانتفاع من فروق الأسعار). وأما إذا روعي في المضاربة معنى الكلمة المترجمة، وهو التخمين، أو التنبؤ، فإن الترجمة تكون غير دقيقة، ويكون استعمال المضاربة بهذا المعنى استعمالاً غير صحيح؛ إذ ليس هو من معاني المضاربة في اللغة العربية.

المراجع:

1- اتجاه معاصر في إدارة المنشآت والأسواق المالية، د. نادية أبو فخرة مكاوي. مكتبة النهضة العربية.

2- الأسواق المالية من منظور إسلامي، د. مبارك سيلمان ال فواز. جامعة الملك عبدالعزيز.

3- أحكام الأسواق المالية الأٍسهم والسندات، د. محمد صبري هارون، دار النفائس، عمان، الأردن.

 

خاص_الفابيتا