ماذا يعني ارتفاع الودائع المصرفية؟

11/07/2021 5
د. فهد الحويماني

ارتفعت الودائع المصرفية في البنوك السعودية لتتجاوز تريليوني ريال بنهاية أيار (مايو) 2021، وهو أعلى مستوى للودائع المصرفية في تاريخ القطاع البنكي في المملكة، حيث كانت 268 مليار ريال عام 2000، ثم 985 مليار ريال عام 2010، إلى 1،617 مليار ريال في 2015. الأمر البديهي هنا أن الودائع المصرفية ترتفع إذا زادت كميات الأموال المودعة في البنوك، لذا نبدأ أولا بمعرفة أنواع الودائع لنتمكن من تحديد طبيعة الارتفاع في الودائع ومسبباته، وهل هو أمر إيجابي أم سلبي؟

تصنف الودائع على أنها إما ودائع تحت الطلب، وهي الأرصدة العادية في الحسابات البنكية، التي تسمى الحسابات الجارية، وإما أنها ودائع ادخارية مثل حسابات التوفير والودائع لأجل، وإما أنها النوع الثالث والأخير، وهو عبارة عن أنواع متفرقة من الودائع. ما يهمنا معرفته هنا أن معظم الودائع هي من نوع تحت الطلب، وتبلغ نحو ثلثي الودائع المصرفية، ثم تليها الودائع الادخارية التي عادة تكون في حدود 20 في المائة، وأخيرا الأنواع الأخرى تصل إلى نحو 12 في المائة من إجمالي الودائع المصرفية، وهذه النسب تتغير بين والحين والآخر، إلا أنها قريبة من ذلك.

لو نظرنا إلى عام 2020 مقارنة بعام 2019، فسنجد أن الودائع تحت الطلب هي التي أدت إلى الارتفاع الكبير في حجم الودائع، حيث نمت 17 في المائة، بينما الودائع الادخارية انخفضت بنحو 5.5 في المائة! يمكننا تفسير انخفاض حجم الودائع الادخارية على أنه سحب أموال من استثمارات آمنة إلى الودائع تحت الطلب، وهذا يحدث إما لأهداف استهلاكية وإما أحيانا بسبب رغبة العملاء في توجيه المبالغ المسحوبة إلى استثمارات أخرى طويلة الأجل أو أعلى مخاطرة من الودائع الادخارية. ولكن هل هذا هو سبب ارتفاع الودائع تحت الطلب التي بلغ حجمها بنهاية أيار (مايو) 2021، 1.324 تريليون ريال؟

كلا، لم ترتفع الودائع تحت الطلب بسبب انخفاض الودائع الادخارية، وذلك لأن حجم الودائع الادخارية قليل مقارنة بودائع تحت الطلب: 440 مليار ريال مقارنة بـ1.324 تريليون ريال.

لماذا إذن ارتفعت الودائع المصرفية إلى تريليوني ريال؟

ما نريد الوصول إليه هو أن ودائع البنوك ترتفع بسبب زيادة القروض التي تقدمها البنوك لجميع العملاء من شركات وجهات حكومية وشبه حكومية، وهذا هو صلب عمل البنوك، وهو ما يعرف بقدرة البنوك على إيجاد النقود من لا شيء.

أولا، دعونا نستعرض حجم القروض في الأعوام الأخيرة، ومن ثم نعود إلى نقطة إيجاد النقود لإيضاح كيفية قيام البنوك بتوفير النقود، وذلك من خلال مثال بسيط لشرح الفكرة. ومرة أخرى، هدفنا هنا إيضاح العلاقة بين زيادة القروض وارتفاع الودائع المصرفية، والتأكيد أن سبب ارتفاع الودائع المصرفية هو زيادة حجم الاقتراض.

من القروض التي تقدمها البنوك لعملائها هناك القروض الاستهلاكية التي تشمل قروضا لأغراض السفر وترميم المنازل وشراء السيارات والتعليم والرعاية الصحية، وهذه لم يتغير حجمها في الفترات الأخيرة بأي شكل لافت، كونها بحدود 350 مليار ريال. ولم يتغير حجم القروض المتعلقة ببطاقات الائتمان هي الأخرى في حدود 18 مليار ريال.

ماذا عن القروض العقارية؟ مقارنة بعام 2019، نجد أن حجم القروض العقارية للأفراد في عام 2020 بلغ 315 مليار ريال، بزيادة 117 مليار ريال عن عام 2019، وهذه نسبة ارتفاع كبيرة، وسببها - بالطبع - زيادة الطلب على المنتجات العقارية كنتيجة حتمية لطول الانتظار للحصول على مساكن للأفراد، وذلك بدعم من البرامج الحكومية المتعددة لحل هذه المشكلة. كذلك القروض العقارية من قبل الشركات ارتفعت خلال الفترة نفسها بنسبة أعلى من المعتاد، حيث بلغت 14 في المائة، بينما في الأعوام الثلاثة ما قبل ذلك كانت 1 و9.5 في المائة، وفي عام 2017 كانت نسبة نمو قروض الشركات سالب 0.2 في المائة.

القروض العقارية بالنسبة إلى الأفراد هي إما لشراء الفلل السكنية، حيث بلغ حجم تمويلها بنهاية عام 2020 نحو 110 مليارات ريال، وإما لشراء الشقق السكنية التي بلغ تمويلها نحو 19 مليار ريال، وإما لشراء الأراضي، التي جاء تمويلها قليلا نسبيا عند سبعة مليارات ريال. يذكر أن مبالغ التمويل الشهرية بدأت بالانخفاض بشكل لافت من بعد آذار (مارس) 2021، حيث كان التمويل 17 مليارا، ثم 14 مليارا، وأخيرا في مايو انخفض إلى تسعة مليارات ريال.

كيف يمكن للقروض أن ترفع من حجم الودائع المصرفية؟

إليك بهذا المثال البسيط، افرض أن هناك بنكين لا يوجد لديهما أي ودائع ولا قروض حاليا، ومن ثم قام شخص بإيداع مبلغ مليون ريال في البنك الأول. بهذه الحالة، يقوم البنك بتسجيل مليون ريال كوديعة، ومن ثم يقوم بإقراض 900 ألف ريال لشخص آخر، وذلك بتحويل المبلغ إلى حسابه في البنك الثاني. هنا أصبحت كمية الودائع بين هذين البنكين 1.9 مليون ريال، لأن البنك الأول لا يزال يعد لديه وديعة بمبلغ مليون ريال، والبنك الثاني كذلك لديه وديعة بمبلغ 900 ألف ريال. حجم الودائع لا يقف عند هذا الحد، بل تستمر عملية إيجاد النقود عندما يقوم كل بنك بإقراض ما يسمح به نظاما إلى عملاء آخرين، فيرتفع حجم الودائع في القطاع المصرفي. حاليا يسمح البنك المركزي للبنوك بالإقراض بنسبة تصل إلى 90 في المائة، أي كما في مثالنا أعلاه استطاع البنك إقراض 900 ألف ريال من مبلغ الوديعة البالغ مليون ريال. ولحساب كمية إيجاد النقود بحسب ما يعرف بمكرر إيجاد النقود money multiplier، الذي يعتمد على نسبة الإقراض المسموح بها، نستطيع القول إنه يمكن أن يرتفع حجم الودائع إلى عشرة أضعاف مبالغ الودائع الفعلية.

بالإمكان كذلك معرفة حجم تكاثر النقود في البلاد من خلال ما يعرف بعرض النقود من فئات ن1، ن2، ن3، حيث نجد حاليا أن عرض النقود الشامل "ن3" في المملكة يبلغ 2.2 تريليون، ولكن بالنظر إلى نسب النمو، نجد أن أكبر نسب النمو هي في فئة ن1، وهي الفئة التي معظمها عبارة عن ودائع تحت الطلب.

ختاما، ارتفاع الودائع المصرفية ليس بالضرورة إيجابيا ولا سلبيا، وهو - كما ذكرنا - ينتج بسبب عمليات الإقراض التي تقوم بها البنوك لجميع العملاء، وبالتالي لمعرفة ما إذا كان نمو الودائع إيجابيا أم سلبيا، علينا معرفة أسباب الاقتراض. في الاقتصادات الحديثة تعد عملية نمو الائتمان والتوسع في الاقتراض أمرا محمودا إذا كانت نسبة كبيرة من هذه القروض يتم توجيهها إلى طرق استثمارية وتنموية، وليس فقط بهدف سد الاحتياجات الاستهلاكية المعيشية.

 

نقلا عن الاقتصادية