هل الوقت مناسب لدخول سوق الأسهم؟

04/07/2021 7
د. محمد آل عباس

بشكل يومي تقريبا ألتقي أحدهم ليسألني هذا السؤال؟ ويطلب مني النصيحة قبل قراره دخول السوق؟ وإجابتي دوما هي أنه لا يوجد وقت لسوق الأسهم، السوق دائما موجودة، ويمكنك الدخول في أي وقت. قلتها منذ زمن طويل وأقولها اليوم، من يكون قادرا على معرفة حال الأسعار غدا وهو واثق بذلك تماما ثقة لا شك فيها فإنه لن يبيع هذه المعلومة لأحد، لأنها هي الضمانة الوحيدة للحصول على الثروة. لو عرف كل الناس أين تكون الأسعار غدا فمن سيربح، وإذا اعتقد كل الناس أن الأسعار ستكون هناك غدا فهل وصولها إلى ذلك السعر هو الطبيعي أم هو ضغط المعرفة العامة وسياسة القطيع؟ لا أحد يستطيع أن يحدد ذلك، لكن المعلومات التي يعرفها الجميع لا قيمة لها، ذلك أنها لا تحدد سعر شيء.

لكني عندما أسأل لماذا تريد دخول سوق الأسهم الآن؟ الإجابات متنوعة لكن أهمها وأولها هو اللحاق بالأرباح، فإذا دخلت الآن واشتريت بأسعار منخفضة وبعت غدا "بالغالي" صار لدي ثروة، كما أن الدخول للسوق سهل فلا تصريح ولا ترخيص ولا بلدية ولا رسوم ولا عمالة ولا مقر وإيجارات، وبمعنى اقتصادي بحت وعند دخولك سوق الأسهم فأنت لا تحتاج سوى رأس المال فقط، بينما لا تحتاج إلى باقي عناصر الإنتاج، لكن هل يكفي رأس المال وحده لإنتاج الثروة؟ لقد أفنى علماء الاقتصاد أعمارهم في سبيل الإجابة عن هذا السؤال، ويعلم الجميع أن إنتاج الثروة يحتاج إلى تضافر عناصر الإنتاج كافة، فلن تنتج ثروة من رأس المال فقط، إذا ما حقيقة سوق الأسهم، سوق الأسهم هي مكان لبيع رأس المال لمن يحتاج إليه، ولهذا فكل منا يجلب رأسماله للسوق ويبحث عمن يشتريه منه، هنا ترى الصورة مختلفة فالسلعة هي المال، وكل من في السوق يقايض ماله مع مال الآخرين. كيف نقيم كل مال، في العادة يتم تقييم المال بالعائد بعد عام من الاحتفاظ به، لعلك تعتقد الآن أن رصيدك في البنك هو أرخص الأموال (وهو عبارة عن ورقة مالية نقدية وهو بلا عائد)، لكن هل هذا فعلا هو الأرخص. هناك مال آخر وهو رصيد محفظة الأسهم، فهو يعبر عن مال تم وضعه في شكل ورقة مالية هي الأسهم. إذا كان هذا واضحا لآن فإنني أضع هذا السؤال هل تريد أن تبيع مالك النقدي بمال الأسهم كي تزيد من "دخلك الذي تنفق منه" أم تريده كي "تجمع المال فقط"؟

نعود لكلمة الثروة حيث كل منا يريد سوق الأسهم كي يحقق ثروة، لكن الثروة في الحقيقة هي ما نجمعه من المال (تجاوزا) ولا ننفقه، بينما الدخل هو ما ننفقه من الثروة بينما تبقى على حالها، ولا يمكن أن يجتمع هم زيادة الثروة ورغبة التمتع بكامل الدخل الناتج عنها معا. فإذا لم تكن الثروة تنتج دخلا فإنك أمام قرارين إما أن تستهلكها حتى تفنى وإما أن تمتنع عن استهلاكها فتعيش حياة الفقراء رغم الثراء. لتوضيح ذلك، هل تتصور وجود مجموعة من المحال التجارية في مدخل المدينة، إنها تمثل ثروة لا يستهان بها، لكن لا معنى لها إذا لم تكن تلك المحال مؤجرة، وتدر دخلا، فإذا لم تكن مؤجرة كان صاحبها فقيرا رغم موقعها وشكلها، ولن يستطيع التمتع بالثروة ما لم يقم ببيعها وإذا باعها وأهلك مالها لم يعد ذا ثروة، أما إذا كانت مؤجرة فإن الإيجار هو الدخل الذي يمكن استهلاكه مع بقاء المحال (الثروة) كما هي، فالإيجار هو المهم هنا وهو الذي ينقذنا من الفقر وليس مجرد الثروة، ولذلك أعود للسؤال هل أنت ممن يريد سوق الأسهم كي "يجمع المال فقط" أم تريده كي يدر عليه دخلا؟ إذا كنت تقول إن المضاربة هي لإنتاج الدخل حيث أتمكن من استهلاك ما زاد عن رأس المال ثم أعود وأستثمره مرة أخرى، يعني دورة أعمال تبدأ بشراء الأسهم ثم انتظار ارتفاع سعرها ثم بيعها ثم استهلاك الفائض وإعادة شراء الأسهم بعدما ينخفض سعرها في دورة أبدية، وهكذا ينتج الدخل من الاتجار في سوق المال، ونعم يمكن أن يحدث هذا لكن بشرط أن تكون متفرغا للسوق، وأن تمارس هذه التجارة يوميا، وأن تراقب تكلفة الدورة الواحدة فليست عمليات الشراء والبيع مجانية، فهناك تكلفة محفظة ووسيط ورسوم اتصال وغيرها مما تحتاج إليه لتتمكن من الشراء والبيع في اليوم نفسه، وكثافة الدخل تأتي وفقا لعدد وطول الدورة من شراء الأسهم حتى إعادة بيعها والعودة للنقد، وبغض النظر عن الشركات ونوعها فأنت تضارب في المال نفسه، تبيع المال وتشتري المال. فإذا كان دخلك الصافي بعد كل التكاليف يعادل أو يساوى سعر الفائدة التي يمنحها البنك أو تمنحها توزيعات الشركات فإنك ترهق نفسك فقط لا غير، وسيكون الدخل الناتج من تجارة الأسهم أقل بكثير من قيمة الاحتفاظ بالنقد، وللحقيقة فإنك تستهلك رأس المال دون أن تشعر ولذا فأنا أنصح بعدم دخول السوق إذا لم تكن تاجرا حقيقيا في الأموال.

الطريقة الثانية لإنتاج الدخل من الأسهم هو الدخل الناتج من التوزيعات التي تقدمها الشركات، لكن هذا الدخل يختلف من شركة إلى أخرى فبعض الشركات تحافظ على مستويات من التوزيعات تتناسب مع ارتفاع الأسعار والتضخم، ومع زيادة أرباحها، وهذا الدخل هو الوحيد الصالح للاستهلاك لأن سعر السهم في العادة يحتفظ بقيمته الاقتصادية، لكن بعض الشركات لم تعدل من مستوى التوزيعات منذ أنشئت فهذا الدخل غير حقيقي عموما والتوزيعات هي للمحافظة على رأس المال فقط، ولا بد من استخدامها لإعادة شراء الأسهم حتى تحتفظ المحفظة بقيمتها، وإذا كانت الشركة لا تحقق توزيعات فإن الاحتفاظ بالأسهم لا معنى له إلا كمن اشترى ذهبا ينتظر اليوم الأسود لإنفاقه. هذه إجابتي لكل من يسألني هل الوقت مناسب لدخول سوق الأسهم.

 

نقلا عن الاقتصادية