ثروة النفط والسلوك الاقتصادي

22/02/2021 0
د.صالح السلطان

أنعم الله على الدول المصدرة للنفط عبر عشرات الأعوام بعوائد نفطية عظيمة. وهناك كم من التحليلات والكتابات الاقتصادية التي ناقشت كيفية تأثر اقتصادات الدول النفطية بهذا الدخل أو الثروة النفطية، وناقشت التغيرات الناجمة من عوائد النفط. وجزء من هذه الكتابات تناول أثر وفرة الموارد النفطية في السلوك الاقتصادي، وتوزيع الاستثمارات قطاعيا.

الحصول على موارد وفيرة بسهولة لها تأثيرها الخاص. تؤثر في السلوك الاقتصادي للفرد والمنشأة، ومصدر التأثير أن هذه الوفرة تزيد من إعطاء الفرد الثقة بالدخل المستقبلي. توقعات الدخل المستقبلي بدورها تؤثر في تصرفات اقتصادية كثيرة حاضرة، فمثلا تؤثر في الادخار وأنماط الاستهلاك وتركيب المحافظ الأصولية.

وجود ثروة عظيمة كالثروة النفطية عامل من العوامل المؤثرة بلا شك في الاستهلاك مثلها في ذلك مثل الدخل، سواء بالأهمية نفسها أو بدرجة مختلفة.

وفرة الموارد الطبيعية التي توفر صادراتها إيرادات عالية بالعملات الرئيسة والمسماة العملات الصعبة - النفط هو أشهر مثال على هذه الموارد - يتسبب في تكون ما يسمى تأثير الثقة لدى جانب الطلب في الاقتصاد. هذه الثقة لم تأت وتبعا لا تؤثر مباشرة. إيرادات الصادرات النفطية تذهب إلى الحكومة، ومن الحكومة تدخل قنوات الاقتصاد عبر الإنفاق الحكومي، والسياسات المالية للحكومة.

أهم موضوع مبحوث في تأثير وفرة الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفطية، هو ما يسمى المرض الهولندي. هذا المرض يقصد به تضرر قطاع من جراء ازدهار سريع "رواج" لقطاع آخر، وعكس ذلك ازدهار قطاع من جراء تضرر سريع لقطاع آخر. وأصل إطلاق هذه العبارة كان على الآثار غير المرغوب فيها في الصناعة الهولندية من جراء اكتشاف الغاز الطبيعي في القرن الـ 19 الميلادي. هذا الاكتشاف تسبب في زيادة أجور اليد العاملة الهولندية مقارنة بالأجور في جيرانها وعلى رأسهم ألمانيا، وتسبب في ارتفاع سعر الصرف الاسمي والحقيقي للعملة الهولندية، وهذا بدوره أدى إلى ضعف منافسة الصناعة الهولندية في الداخل والخارج، ومن ثم أصابتها بالانكماش.

ما سبق لا ينطبق حرفيا على الدول النامية المصدرة للنفط لأنها لا تملك أصلا قبل النفط قطاعا مزدهرا ذا بال. ولذا ينظر إلى المشكلة من شكل آخر. نشأ هذا الشكل مما يسمى المرض الهولندي من أثر الرواج السريع الذي أدى إلى زيادة الدخل الحكومي الذي أنفق أغلبه على الخدمات. وبالنظر إلى أن هذا الرواج وهذا الدخل غير مستمرين وبالنظر إلى صعوبة خفض أو القبول بخفض مستوى المعيشة، فإن المشكلة تنشأ من تأثير انخفاض الإيرادات لاحقا.

هناك جانب آخر للتسمية بالمرض الهولندي. تسمية لحالة ارتفاع سعر الصرف الحقيقي. ولذا يسمي بعض الكتاب ارتفاع أسعار الصرف الحقيقية بالمرض الهولندي، وحدث هذا واضحا في المملكة إبان طفرة بضعة أعوام بدأت تقريبا في النصف الثاني من العقد الأخير من القرن الهجري الماضي الموافق تقريبا للنصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن الميلادي الماضي.

وللتوضيح، فإن أسعار الصرف المعتاد على سماعها - مثل كون سعر صرف الريال = 3.75 ريال لكل دولار - لا تعكس فروق مستوى الأسعار بين الدول، ولذا فهي أسعار صرف اسمية، أما أسعار الصرف الحقيقية فتعطي أسعار سلع وخدمات دولة مقارنة بأسعار سلع وخدمات دولة أو دول أخرى، ولذلك فهي تعتمد على أسعار الصرف الاسمية ومستويات الأسعار في الدول. وعلى هذا، فوفقا لسعر صرف الريال الاسمي مقابل الدولار "3.75 لكل دولار"، فإن ارتفاع مستوى الأسعار في السعودية أكثر من نظيره الأمريكي يعني زيادة سعر الصرف الحقيقي للريال، وعلى جعل السلع المستوردة أرخص من أسعارها السابقة، وهذا يضعف القوة التنافسية للإنتاج المحلي.

ازدهار قطاع يدفع إلى تحرك موارد القطاعات الأخرى تجاهه، إذا اشترك القطاع الرائج مع القطاعات الأخرى في عوامل الإنتاج، ومن ثم فرواج ذلك القطاع يحفز عوامل الإنتاج للتحرك تجاهه، كما يدفع أسعارها إلى الارتفاع، وهذا يؤدي في النهاية إلى ارتفاع في أسعار الصرف، وانخفاض ربحية وتدهور إنتاج القطاعات الأخرى المنتجة للسلع القابلة لأن تستورد. هذا الأثر ضعيف وجوده في حالة الرواج النفطي بارتفاع أسعار النفط، بالنظر إلى أن هذا الرواج لم تصاحبه زيادة طلب على عوامل الإنتاج، وبالنظر إلى أن النفط قطاع شبه مغلق في عوامل إنتاجه.

ما سبق تناوله مبني على وجود رواج، فماذا بشأن العكس؟ أي بافتراض وجود انكماش قطاعي سريع بدلا من الانتعاش. بافتراض أن الاقتصاد في حالة توازن "أي لا توجد ما يسمى اختناقات وقلة معروض أو قلة طلب، وبمعنى آخر العرض يساوي الطلب"، فإن يتوقع حدوث ركود ونقص في الدخل والاستهلاك، ما يدفع بأسعار الصرف الحقيقية في الأخير إلى الانخفاض، هذا له آثاره التي قد يكون وقد لا يكون مرغوبا فيها.

سياسة أساسية يوصى بها - بعد التوكل على الله سبحانه - خلاصتها العمل على تقليل الاعتماد أو الإدمان على دخل متذبذب أو غير راسخ في طبيعته. وهذا ركن أساسي في الرؤية.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية