التكنولوجيا الرقمية مستقبل صناعة النفط والغاز

10/12/2020 0
د. نعمت أبو الصوف

منذ الثورة الصناعية لعبت صناعة النفط والغاز دورا محوريا في التحول الاقتصادي للعالم، ما أدى إلى زيادة الحاجة إلى الطاقة، والكهرباء والتنقل بين سكان العالم. تتمتع صناعة النفط والغاز اليوم بفرصة ديمومة دورها الطليعي من خلال التكنولوجيا الرقمية أو ما يعرف بالرقمنة digitalization. بعد فترة من انخفاض أسعار النفط الخام، والتجاوزات المتكررة لميزانيات وتوقيتات تنفيذ المشاريع، إضافة إلى الضغوط المتزايدة بشأن تغير المناخ والصعوبات في جذب الكوادر الفنية الشابة، قد تتمكن صناعة النفط والغاز من تقديم حلول عملية من خلال تقنيات مبتكرة. حيث يمكن للرقمنة أن تعمل كعامل تمكين لمواجهة هذه التحديات وتقديم فائدة لجميع اللاعبين في الصناعة.

في الواقع، الابتكار والتقنيات الحديثة يساعدان صناعة النفط والغاز على مواكبة المنافسة من خلال خفض التكاليف، ومعالجة مخاوف السلامة، والحصول على تحليل بيانات أفضل لتحسين الأنظمة الحالية باستمرار. نظرا لأن الصناعة تواجه حالة عدم يقين عالمية متزايدة بشأن الطلب على النفط، إضافة إلى الأسعار، فإن الرقمنة وإدخال تقنيات جديدة سيساعدان الصناعة على مواجهة هذه التحديات بشكل مباشر. إضافة إلى ذلك، تبني صناعة النفط للتكنولوجيا الرقمية سيسهم في استمرار دورها التقني الرائد، وتحسين كفاءة الأداء، وتعظيم المنفعة من كل جزء من برميل النفط.

لطالما كانت تكاليف سلسلة التوريد واحدة من التكاليف الرئيسة لصناعات النفط والغاز، وهذه التكلفة ارتفعت في الأعوام الأخيرة. بسبب زيادة تعقيد المشاريع، استخدام طرف ثالث للتوريد، نقص الرقمنة، تؤدي أوجه القصور الكبيرة في سلسلة التوريد إلى زيادة التكاليف وتأخير إنجاز المشروع.

في هذا الجانب، ذكر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum لعام 2017 أن التكنولوجيا الرقمية أو الرقمنة في صناعة النفط والغاز يمكن أن توفر قيمة بما يقرب من 1.6 تريليون دولار للصناعة، لعملائها وللمجتمع عموما. يمكن أن ترتفع قيمة هذه التقديرات من الرقمنة إلى 2.5 تريليون دولار إذا تم تخفيف القيود التنظيمية/ التشغيلية الحالية، وأخذ في الحسبان تأثير التقنيات الحديثة، مثل الحوسبة المعرفية.

على سبيل المثال، يمكن للرقمنة أن توجد نحو تريليون دولار من القيمة لشركات النفط والغاز. كما يمكن أن يؤدي التحول الرقمي في الصناعة إلى فوائد تبلغ قيمتها نحو 640 مليار دولار للمجتمع عموما. ويشمل ذلك توفير ما يقرب من 170 مليار دولار للعملاء، نحو عشرة مليارات دولار من تحسينات الإنتاجية، و30 مليار دولار من تقليل استخدام المياه و430 مليار دولار من خفض الانبعاثات.

علاوة على ذلك، يمكن أن يكون لرقمنة الصناعة تأثير إيجابي يتجاوز التوفيرات المالية والأرباح. حيث يمكن أن تؤدي التقنيات الجديدة إلى انخفاض كبير في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. في هذا الجانب، يتوقع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن تنخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 1300 طن، استهلاك الماء بنحو 800 مليون جالون والنفط المفقود نتيجة التسربات النفطية oil spills بمقدار 230 ألف برميل.

بالفعل يتم إدخال التقنيات الجديدة بسرعة من قبل اللاعبين الرئيسين في صناعة النفط والغاز. على سبيل المثال، توفر التوائم الرقمية digital twins محاكاة تفاعلية ثلاثية الأبعاد يمكن للمهندسين استخدامها لإدارة منصات النفط والمنشآت عن بعد عندما لا يتمكنون من الوصول إلى منصة الحفر.

لقد أثبتت التوائم الرقمية رغم أنها ليست ابتكارا حديثا، أنها مفيدة بشكل متزايد خلال جائحة كورونا. فبفضل التقدم في مجال الحوسبة، يتم استخدامها الآن في صناعة النفط بصورة كبيرة، ما يسمح للمهندسين بالعمل عن بعد. إنها توفر استجابة مطلوبة بشدة للقيود مثل التباعد الاجتماعي.

إضافة إلى ذلك، شهدنا تطورات كبيرة في استخدام تحليلات البيانات. ففي استطلاع لشركات النفط والغاز قامت به شركة إرنست ويونج العالمية Ernst & Young Global في وقت سابق من هذا العام، ذكر 85 في المائة من المشاركين أنهم يستخدمون بالفعل شكلا من أشكال تحليلات البيانات المتقدمة. حيث لعبت تحليلات البيانات دورا كبيرا في رقمنة الصناعة. قامت "إرنست ويونج" أيضا بتحليل 500 مشروع للنفط والغاز بقيمة مليار دولار أو أكثر لكل منها ووجدت أن 60 في المائة من المشاريع تعرضت للتأخير و38 في المائة تجاوزت الميزانية. ووجدت أن عديدا من هذه التأخيرات ترجع إلى ضعف أنظمة تحليل البيانات. ووجدت الشركة أيضا أن بعض الإخفاقات الرئيسة كانت نتيجة الافتقار إلى بيانات مركزية وموثوقة، عمليات غير فعالة، والحاجة إلى النقل اليدوي للبيانات. كما أسهم التأخير في إعداد التقارير وسوء أوقات الاتصال في حدوث هذه الإخفاقات.

تدرك شركات النفط الكبرى بشكل متزايد الآن أن السبيل إلى مكافحة عديد من هذه التحديات هو من خلال زيادة الابتكار الرقمي. في الواقع، أشار 80 في المائة من المشاركين في استطلاع شركة إرنست ويونج إلى نيتهم في استثمار على الأقل مبلغ معتدل في التكنولوجيا لمواكبة اتجاهات تكنولوجيا الصناعة. علاوة على ذلك، قال 58 في المائة: إن هناك اندفاعا للاستثمار في هذه الأنواع من التقنيات استجابة للوباء العالمي.

رغم أن جائحة كورونا قد أعاقت صناعة النفط والغاز بعدة طرق، ما قلل الطلب والإنتاج في عديد من مناطق العالم، إلا أنه كان لها بعض الفوائد للصناعة. على سبيل المثال، أصبح الدفع باتجاه مزيد من الرقمنة والابتكار التكنولوجي أقوى من أي وقت مضى. حيث تسارع الشركات لإيجاد خيارات عمل بديلة للعاملين على منصات وأبراج الحفر بسبب القيود الوبائية غير المتوقعة. يتم استخدام أنظمة المراقبة عن بعد مثل الطائرات دون طيار لمسح خطوط الأنابيب والتأكد من أنها تعمل بشكل كامل. وتتم معالجة المخاوف الاقتصادية من الانكماش الاقتصادي الذي شهدناه في وقت سابق من هذا العام من خلال زيادة الكفاءة والأتمتة.

في الواقع صناعة النفط والغاز ما زالت في بداية الطريق، وما تعرفه حتى الآن عن آثار الثورة الرقمية ما هو إلا بداية الطريق. على الصناعة اللحاق بركب هذه الثورة قبل فوات الأوان، لما فيها من منفعة للجميع.

 

نقلا عن الاقتصادية