التشوه الاقتصادي "2"

13/08/2020 0
عبدالله بن عبدالرحمن الربدي

تناولت في مقالي السابق موضوع التشوه الاقتصادي الذي يركز على التشوه في إنتاجية واستغلال عناصر الإنتاج في الاقتصاد التي بدأتها بعنصر الأرض خصوصا العقار، رغم أن العقار لا يمثل إلا جزءا من مفهوم الأرض كعنصر إنتاجي حيث إن هناك أجزاء أخرى لم أتطرق إليها مثل إنتاجية الأراضي الزراعية أو التعدين أو السياحة لكن كل هذه العناصر موجود لها برامج في الرؤية، وفي هذا المقال سأنتقل إلى العنصر الثاني في عناصر الإنتاج وهو رأس المال.

يعبر عن رأس المال بمفهومه الواسع أنه كل الأموال والأدوات واليد العاملة التي تسهم في النشاط الاقتصادي، لكن رأس المال المقصود هنا هو النقود أو الأموال، وهي تسهم بشكل مباشر وقوي في الإنتاج داخل الاقتصاد وكل الدول تتنافس للحصول على الاستثمارات واستقطاب الأموال إما بشكل استثمارات في الأنشطة الاقتصادية داخل البلد أو بالديون، ولهذا لا يمكن أن يقوم اقتصاد دولة دون توافر رأس المال -الأموال.

منذ أن تدفق البترول في السعودية بدأت تتدفق الأموال إلى الحكومة ومنها بدأ الاقتصاد يأخذ منحنى جديدا تماما عما كان عليه قبل النفط ومع كل هذه الأموال بدأت الحكومة استثمارها في البنية التحتية وتشجيع الصناعة في وقتها والزراعة وغيرها وتم بالفعل توظيف الأموال بشكل قوي ما أحدث طفرات متتابعة في الاقتصاد، حتى وصلنا إلى ما وصلنا اليه اليوم، ومع رؤية 2030 يتضح أن هناك تشوهات في استغلال رأس المال وعليه تم إطلاق برنامج تطوير القطاع المالي.

سأركز في هذا المقال على جزئية مهمة من هذا البرنامج وهي الادخار، الذي يعبر عنه بمعادلة (ناتج الدخل مخصوما منه الاستهلاك)، يمثل الادخار عاملا مهما على المستوى الشخصي بتحقيق الاستقلال المالي للفرد وللأسرة وتجنب التعثر في أوقات الصعوبات الاقتصادية وبذلك يسهم في تحقيق الاستقرار المالي على المدى البعيد، كل هذه الفوائد وغيرها معروف لدى الجميع، لكن إضافة إلى ذلك هناك أهمية أكبر للادخار على المستوى الاقتصادي للبلد، حيث يسهم بشكل مباشر وقوي في تحقيق الاستقرار المالي للبلد وفي الأغلب توظيف أفضل للأموال ورأس المال، وكيفية حدوث ذلك تتم عبر فهم الإجراء المعاكس للادخار وهو الاستهلاك، الاستهلاك في غير المواد الأساسية هو توظيف الأموال في كماليات وغيرها أو بمعنى آخر استثمارها على المدى القصير جدا واستهلاكها، وهذا يعني تضييع الفرصة لتنميتها على المدى الطويل لذلك الفرد لديه خياران إما استهلاك رأسماله الآن والاستفادة منه بشكل قصير المدى أو تأجيل ذلك للمدى البعيد لغرض تنميتها ومن ثم الاستفادة منها ومن الزيادة المترتبة على المدى البعيد، لهذا كل ما ذكر يثبت مفهوم أن الادخار يسهم في توظيف أفضل للأموال، أما كيفية تحقيق ذلك على المستوى الاقتصادي العام للبلد فهو عبر زيادة أصول القطاع المصرفي، حيث إن هذه الأموال بدل استهلاكها ستبقي في النظام إما عبر ودائع طويلة الأمد أو حسابات مصرفية أو منتجات ادخارية، ولهذا فوائد عديدة للنظام المصرفي والاقتصاد منها تحسين قائمة المركز المالي للمصارف عبر تمثيل أفضل للاستحقاقات بين الأصول والخصوم (Maturity Mismatch) أو تمويل مناسب للمنتجات المالية طويلة الأمد مثل التأمين على الحياة وخلافه بسبب طبيعة الادخار أنه طويل الأمد ولذلك فهي الأنسب لتمويل محفظة المنتجات طويلة المدى، وكذلك يخفف من التعرض لمخاطر السيولة وغيرها من الفوائد الكثيرة للاقتصاد.

حسب الإحصاءات الرسمية يعد معدل ادخار الأسر في السعودية منخفضا جدا حيث يعادل 2.4 في المائة من الدخل السنوي وذلك حسب برنامج تطوير القطاع المالي، وهذه النسبة تقل بكثير عن المعدل العالمي الذي يبلغ 10 في المائة وهو الحد الأدنى المعترف به عالميا لضمان الاستقلالية المالية، هناك دول تبلغ معدلات الادخار أرقاما مرتفعة مثل الصين تصل إلى 39 في المائة وهذا يشكل نقطة مهمة في مستقبل الأسر السعودية حول مدى استقلاليتهم المالية التي لا يدركون بشكل واضح مخاطرها ولهذا خرجت وثيقة تطوير القطاع المالي بالتركيز على الادخار وتهدف إلى رفع مستويات الادخار في البلد إلى مستويات أعلى من الحالية، عبر إطلاق منتجات ادخارية مدعومة من الحكومة وإنشاء كيان وطني للادخار سيمكن برامج الادخار من النجاح.

عند الحديث عن الادخار لا بد من التطرق لمشكلة أو ما يسمى بمفارقة الادخار Paradox of thrift نشرها الاقتصادي الكبير جون كينيز وهي تتحدث عن أن ارتفاع معدل الادخار سيؤثر بشكل مباشر وكبير في منحنى الطلب في الاقتصاد بمعنى أن اتجاه الأفراد للادخار وعدم الاستهلاك والصرف سيقود الاقتصاد إلى الركود على أي حال، وبمعنى آخر إن زيادة الاستهلاك يساعد على مكافحة ركود الاقتصاد وتعزيز الطلب وبالتالي سينمو الاقتصاد في نهاية الأمر وهو ما يحقق التوظيف الأمثل ولهذا يرى أنه على عكس النصيحة التقليدية أن يقتصد الناس في صرفهم ويزيد ادخارهم في الأوقات الاقتصادية الصعبة ويجب عليهم زيادة الصرف لتجنب الوقوع في الركود أو الأخطر الانكماش الاقتصادي، هذه قابلة للنقاش لو كان الاستهلاك يذهب أغلبه لمنتجات وخدمات منتجة محليا لكن بمثل اقتصادات الخليج فهي غير صحيحة حيث تسهم في تسرب نسبة كبيرة من الأموال إلى الخارج عبر منافذ الاستهلاك، ولهذا زيادة الاستهلاك لدينا قد لا تحقق المنفعة الكاملة حسب نظرية كينيز.

ختاما يبقي هدف رفع معدل الادخار مهما جدا لتحسين التشوه الاقتصادي في عنصر رأس المال وهو الأهم وعبره ستتحسن المراكز المالية للقطاع المصرفي ويتم توظيف الأموال في زيادة التمويل والمشاريع والمنتجات ذات العوائد الأعلى ومما يحقق تحسنا اقتصاديا أفضل بدلا من إنفاق نسبة كبيرة على المستهلكات والكماليات المستوردة خارجيا.

 

نقلا عن الاقتصادية