إعادة آليات التوطين في القطاع الخاص

30/10/2019 3
عبد الحميد العمري

خلال الفترة التي اتخذ فيها نمو القطاع الخاص وتيرة متصاعدة خلال 2016-2019، مرتفعا من 0.1 في المائة خلال 2016 وصولا إلى 2.3 في المائة حتى منتصف 2019، وزامن تلك الوتيرة انخفاض أعداد العمالة الوافدة بأكثر من 2.3 مليون عامل، أي بانخفاض وصلت نسبته إلى 27 في المائة، إلا أن أعداد العمالة الوطنية انخفضت أيضا خلال الفترة ذاتها بنحو 98.1 ألف عامل من الذكور (انخفاض 7.9 في المائة)، وارتفاعها للإناث بنحو 30.1 ألف عاملة (ارتفاع 6.0 في المائة)، وجاء صافي التغيرات للإجمالي انخفاضا بنحو 68.1 ألف عامل وعاملة (انخفاض 3.9 في المائة).

إن استعراضا سريعا كما يظهر أعلاه لتجربة الأعوام الأربعة الماضية، والتركيز في نتائجها حسبما أظهرته الإحصاءات الرسمية، يؤكد أهمية إعادة النظر في آليات التوطين الراهنة، والعمل من ثم على تصميمها بطريقة أكثر كفاءة وتركيزا، آخذا بزمامها نحو توظيف الموارد والإمكانات المتوافرة لدى منشآت القطاع الخاص، في الاتجاه الذي يعزز بالدرجة الأولى نمو فرص العمل الملائمة بالكم والنوع أمام أكثر من مليون باحث وباحثة عن العمل وفقا لأحدث بيانات هيئة الإحصاء الأخيرة.

تركز الانخفاض في العمالة الوافدة طوال الفترة 2016-2019 بأعلى من 97 في المائة من إجمالي الانخفاض على العمالة ذات الأجور ثلاثة آلاف ريال شهريا فما دون، وهي بكل تأكيد الوظائف التي لا تصل إلى أدنى درجات القبول أو الملاءمة لدى الباحثين عن عمل من المواطنين والمواطنات، دع عنك جانب الأجور رغم أهميته هنا، إلا أن المؤهلات العلمية التي يتمتع بها الباحثون المواطنون (ثانوي فأعلى)، تعد أعلى بكثير من المؤهلات اللازمة لتلك الوظائف التي قد لا يتطلب أغلبها أي شهادة أو تأهيل علمي، في الوقت ذاته الذي تتجاوز فيه نسبة حملة الشهادة الثانوية فأعلى بين المتعطلين سقف 91 في المائة من الإجمالي! وهنا تظهر أولى الفجوات الواسعة بين الوظائف التي ارتحلت عنها العمالة الوافدة، ولم تجد من يملؤها أو يشغلها من المواطنين، والأسباب واضحة وجلية ولا تتطلب جهدا كبيرا لاكتشافها.

مقابل ذلك؛ لم تتجاوز نسبة المنخفضة أعدادهم من العمالة الوافدة في الوظائف المتوسطة فأعلى خلال الفترة نفسها 3 في المائة من الإجمالي (76.2 ألف عامل)، وهو الانخفاض من الوظائف التي كان عددها في بداية الفترة نحو 969.4 ألف وظيفة تشغلها العمالة الوافدة، انتهت إلى نحو 922.1 ألف وظيفة بحلول منتصف 2019، وتعد هذه الوظائف هي الأكثر ملاءمة والأعلى طلبا عليها من قبل الباحثين والباحثات عن عمل من المواطنين، لكن ظلت وما زالت تلك الوظائف بعيدة جدا عن أدوات برامج التوطين الراهنة، وهو ما يتم الحديث عنه هنا بضرورة إعادة تصميم آليات تلك البرامج، لتصبح أكثر قوة وكفاءة، كي تصل بتأثيرها الفعلي داخل بيئة سوق العمل المحلية إلى تلك الوظائف المناسبة جدا للموارد البشرية الوطنية.

تأتي أهمية الإحلال خلال الفترة الراهنة، دون إهمال نمو وتوليد الوظائف؛ كونها الرصيد المتاح والجيد خلال الفترة التي يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة جدا في امتصاص أعداد كبيرة من المتعطلين والمتعطلات، وهو الذي لو تحقق خلال عامين على أبعد تقدير، فإن نتائجه الإيجابية ستكون مفاجئة ومثالية، سواء على مستوى ارتفاع التوظيف والتوطين لدى المواطنين، أو على مستوى خفض أعداد المتعطلين والمتعطلات، عدا بقية آثاره المحمودة جدا تنمويا واقتصاديا واجتماعيا.

نعم؛ القطاع الخاص يواجه تحديات عديدة، والتوطين أيضا يواجه تحديات أكبر، وعلى الرغم من مساندة ودعم الحكومة للقطاع الخاص في مواجهة تحدياته العديدة، إلا أن القطاع الخاص لم يترجم أيا من ذلك الدعم الحكومي السخي بأي دليل يذكر على زيادة توطين وظائفه، وهو الأمر الذي سبق الحديث عنه مرارا وتكرارا في أكثر من مقال ومقام، وأن منشآت القطاع الخاص يضعف من جهودها في هذا الشأن المتعلق بزيادة التوطين عديد من الأسباب، لعل من أبرزها هو السيطرة المفرطة للعمالة الوافدة على مفاتيح اتخاذ القرار داخل تلك المنشآت، والحديث تحديدا هنا ينصب على سيطرتها العالية على أغلب المناصب العليا والتنفيذية، الذي دعا إلى مطالبة وزارة العمل طوال الأعوام الأخيرة وما زال مستمرا حتى تاريخه، بأن تبتكر برامج توطين خاصة بالمواقع القيادية والتنفيذية، سيكون نجاحها كفيلا بتحقيق مزيد من مؤشرات نجاح بقية برامج التوطين، وغياب مثل تلك الإجراءات اللازمة والحازمة، سيكون أحد أسباب ضعف نتائج برامج التوطين كافة، كما هو ظاهر من المؤشرات الرئيسة التي تم استعراضها باختصار في مقدمة المقال.

ختاما، يقوم بالدرجة الأولى تقييم أي سياسات أو برامج مهما كان نوعها على النتائج المتحققة لها! فإن كانت عند الأهداف نفسها أو أعلى منها، فهذا مؤشر قوي على فعاليتها وكفاءتها، يمنح القائمين عليها دافعا أكبر للمضي قدما في الاستمرار فيها، والعمل المتكامل مع بقية الأطراف ذات العلاقة لمزيد من التطوير والتحديث لها. أما في حال جاءت النتائج أدنى بكثير من الأهداف التي لأجلها تم إقرار العمل بها، كما تأكد للجميع في ضوء ما تحقق حتى تاريخه؛ فلا بد حينئذ العمل على مراجعتها والوصول إلى أسباب ضعفها ومعالجتها فورا، والعمل على إعادة تصميمها وتوجيهها بما يحقق الأهداف المنشودة. ويزداد الأمر أهمية بصورة لا تقبل التأخير؛ بحال جاءت النتائج على العكس تماما من الأهداف التي لأجلها تم إقرار العمل بأي من تلك السياسات أو البرامج، وهو ما حدث فعلا على أرض الواقع في بيئة الأعمال المحلية، وأصبحنا في مواجهة معدلات نمو سلبية لتوظيف العمالة الوطنية، على الرغم من تحسن معدل نمو القطاع الخاص الذي كانت منشآت القطاع الخاص ستتعذر به لو كان ذلك النمو ضعيفا أو سلبيا، إنما المشاهد الآن هو زيادة تحسن نمو القطاع، مقابل مزيد من انخفاض توظيف العمالة الوطنية، فهل من إعادة قريبة وحقيقية لآليات التوطين؟ والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية