مزيدا من الحرب على الفساد

13/03/2018 0
عبد الحميد العمري

يوما بعد يوم؛ تضاعف القيادة الرشيدة قبضتها وحربها على الفساد والمتورطين فيه، في تأكيد متين من لدنها ـ أيدها الله ـ أنه العدو الأول للتنمية المستدامة والشاملة، وأن لا مجال للتقدم خطوة واحدة في طريق تحقيق الطموحات العملاقة، إلا بالقضاء التام على الفساد وردم كل منابعه.

بالأمس؛ صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ــ أيده الله ــ على إحداث دوائر متخصصة لقضايا الفساد في النيابة العامة، تتولى التحقيق والادعاء في قضايا الفساد وجرائم الوظيفة العامة، ومعالجة التجاوزات الجنائية المتعلقة في الإخلال بواجبات الوظيفة، وترتبط تلك الدوائر المتخصصة مباشرة بالنائب العام، الذي أكد بدوره صدور هذه الموافقة من لدن خادم الحرمين الشريفين، جاءت في إطار اهتمامه ــ رعاه الله ــ بمكافحة الفساد بصوره وأشكاله كافة، بهدف حماية الوطن ومقدراته والمحافظة على المال العام وحماية نزاهة الوظيفة العامة، وأنه لحرص كل من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين ــ يحفظهما الله ــ كل الحرص على محاربة الفساد، واجتثاثه من جذوره بمنتهى القوة والشفافية.

تتصاعد جهود الدولة ــ أيدها الله ــ ومحاربتها ضد الفساد بأشكاله كافة، لوقوفه خلف أغلب التشوهات والمعوقات التنموية، بدءا من ترهل أداء الأجهزة الحكومية، وانخفاض مستوى خدماتها، وتعثر تنفيذ كثير من مشروعاتها، عدا تشبع إجراءات التعامل معها بما لا حصر له من المعوقات البيروقراطية، التي أفضت لاحقا إلى رواج أشكال الفساد الإداري والمالي للقفز على تلك المعوقات المفتعلة. مرورا بسيطرة أشكال الاحتكار على الأراضي، وتحويل أحد أهم عناصر الإنتاج في الاقتصاد والانتفاع المجتمعي إلى مخزن للثروات والأموال، زاد من لهيب أسعارها اندفاع جزء من الأموال الباحثة عن فرص استثمارية ولم تجدها نحو المضاربة على ما بقي محررا من تلك الأراضي، ليغوص على أثر ذلك كل من البلاد والعباد في براثن شبكة هائلة من حلقة التضخم المتصاعدة، ضربت بآفاتها الآثمة تكاليف الإنتاج والتشغيل وتكلفة المعيشة، وأعاقت عاما بعد عام أغلب محفزات النمو والاستقرار الاقتصاديين، وضغطت كثيرا على دخول الأسر والأفراد وأوقعتها في ورطة قروض بنكية لا نهاية منظورة لها، إما نتيجة ارتفاع تكلفة تمويل شراء المساكن، وإما نتيجة اضطرار أغلب الأفراد للاقتراض استهلاكيا لمواجهة ارتفاع أعباء المعيشة والإيجارات تحديدا، كان غول تضخم أسعار الأراضي والعقارات المسؤول الأكبر عن كل هذا.

أثبتت التجربة أن آفة الفساد أحد أكبر المعوقات إن لم يكن أكبرها وأخطرها، الذي يقف حجر عثرة كأداء في وجه أي تقدم مأمول للاقتصاد والتنمية في أي بلد حول العالم، وأن وجوده واستشراءه أسهما بدرجة كبيرة جدا في تشكل الكثير من التحديات والمعوقات التنموية الأخرى، كتفاوت الدخل الكبير بين شرائح أفراد المجتمع، وتسببه في تفشي أنماط الفقر وارتفاع المديونيات على الشرائح الأدنى والمتوسطة الدخل، ما يسهل استسلامها لإغراءاته لاحقا والوقوع فريسة سهلة المنال له. كما أسهم الفساد في تفاقم تحديات تنموية أخرى ثقيلة الوزن؛ كتحديات احتكار الأراضي وزيادة اكتنازها، سواء عن طريق الاستحواذ المخالف نظاميا على مساحات هائلة منها، أو عن طريق تخزين الأموال والثروات الطائلة التي توافر جزء منها من متحصلات الفساد، والطريقان كلاهما كانا حتى وقت قريب بعيدين تماما عن الرقابة والمتابعة والرصد الحكومي، ما أسهم بدوره في تشكل كثير من الأزمات التنموية كأزمة الإسكان والبطالة ومحدودية الدخل والغلاء والغش والتستر. باختصار شديد؛ أينما بحثت وراء أسباب أغلب التحديات التنموية الراهنة، فإنك ستجد شبح الفساد جاثما خلفها كالمارد العملاق، وأن أية سياسات أو برامج لحلول مقترحة لتلك التحديات التنموية، يغيب عنها محاربة حقيقية وفاعلة لأشكال الفساد كافة؛ لا شك أنها ستسقط وتفشل في تحقيق الأهداف المأمولة لتلك السياسات والبرامج.

بناء عليه؛ لا غرابة بعدئذ أن يتهاوى كثير من التحديات التنموية الكأداء "فقر، بطالة، أزمة إسكان، غش وتستر تجاري ... إلخ"، أمام ارتفاع وتيرة المواجهة والتصدي لأشكال الفساد كافة، والدخول في تفاصيل مبهمة لعالم خفي طالما غابت عنه يد النظام والعقاب. وأن يشهد الجميع ــ بتوفيق الله ــ انفتاح الكثير من الفرص الاقتصادية والاستثمارية المجدية أمام الجميع على قدم من العدالة والمساواة والمنافسة، وتقدم الكثير من المزايا الإيجابية لتلك الفرص إلى الأمام، بعد أن غيبتها لعقود طويلة آفات الفساد خلف الكثير من الجدران والمعوقات، التي سيسهم استثمارها بصورة كبيرة جدا في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويسهم أيضا في زيادة ممكنات النمو الاقتصادي وتنويع قاعدته الإنتاجية، وإيجاد فرص العمل المجدية أمام أفراد المجتمع كافة، وهو الأمر الذي لا يتطلب سوى منحه وقتا كافيا ليأخذ مفعوله وتأثيره، وهو الأمر الذي قد لا يستغرق أكثر من عقد من الزمن من تاريخه، علما بأن الإيجابيات المنتظرة ستتدافع مرحلة بعد مرحلة، حتى يكتمل بناء منظومة الاقتصاد الوطني بناء على الأسس الجديدة، الأسس النقية من أشكال الفساد بأنماطه وتشوهاته وأخطاره كافة.

تتجه بلادنا ــ بحمد الله ــ في ظل التوجهات الراهنة المخلصة والجادة للقيادة الرشيدة ــ أيدها الله ــ على مستوى محاربة الفساد بأشكاله كافة، والعودة بمقدرات الاقتصاد والمجتمع على حد سواء نحو مناطق تخدم الجميع، لا مجرد تسخيرها لخدمة الأيادي العابثة والمفسدة على حساب البلاد والعباد، أؤكد أنها تتجه نحو تنقية وتطهير بيئة الأعمال المحلية من كثير من الآفات، التي تشكلت وجاءت نتيجة وجود واتساع الفساد، وتحولها من ثم إلى بيئة أكثر تنافسية، تتخلص أولا من أشكال الاحتكار وعدم المنافسة، لتفتح الأبواب والنوافذ المغلقة سابقا، وتصبح الفرص على عدالة تامة أمام جميع الأفراد دون تمييز، وتتخلص من الحظوة غير العادلة التي طالما حظي بها أفراد على حساب استحقاق أفراد آخرين، وزيادة اجتذاب الأموال والثروات الوطنية نحو الاستثمار والتشغيل والإنتاج، الذي سيؤدي بدوره إلى إيجاد مئات الآلاف من الوظائف وفرص العمل الكريمة أمام المواطنين والمواطنات، ويسهم بدوره في زيادة تحسن مستويات معيشتهم، ويحصن بذلك من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بشكل عام. والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية