معضلة السياسة المالية والنقدية مع التضخم

31/07/2017 2
عبدالله بن عبدالرحمن الربدي

في الاقتصاد الكلى هنالك سياستين تتحكمان باقتصاد الدولة وهما السياسة المالية والسياسة النقدية، وكلاهما يهدفان الي تحقيق الاستقرار الاقتصادي بمعدلات نمو معقولة ومستهدفة عبر التحكم بالأسعار والتوظيف الكامل لعناصر الإنتاج، وعليه يتم استخدام هتان السياستان اما لتحفيز الاقتصاد او ما يسمى بالسياسة التوسعية او لكبح جماح الاقتصاد او ما يسمى بالسياسة الانكماشية لمعالجة التضخم الغير المرغوب، ومن الطبيعي ان يكون التوجه في استخدامهما في نفس الاتجاه لتحقيق الفائدة المطلوبة.

اليوم السعودية تواجه معضلة معقدة في طريقة استخدامهما في حالة الاقتصاد اليوم، حيث ان السياسة المالية تتجه نحو السياسة الانكماشية بفعل الإصلاحات الحاصلة اليوم جراء برامج التحول الوطني والتوازن المالي، من ترشيد الانفاق الحكومي وزيادة الضرائب ورفع الدعم بحيث تم استخدام اغلب أدوات السياسة المالية في تحقيق سياسة انكماشية، وعلى الجانب الاخر، وبسبب ارتباط الريال بالدولار تتجه السياسة النقدية وخصوصا مع اداة سعر الفائدة (الريبو العكسي) والتي اخذت باتجاه السياسة الانكماشية عبر رفع أسعار الفائدة وبيع مزيد من السندات الحكومية في السوق وهو ما سوف يعمل على تجفيف السيولة من السوق على الفترة المتوسطة والطويلة.

اذن جميع السياسات (المالية والنقدية) تتجه نحو تحقيق انكماش في الاقتصاد وتراجع بالأسعار وهذا ما تحقق في اول المؤشرات الاقتصادية وهو مؤشر التضخم حيث تراجع للشهر السادس على التوالي كمؤشر غير جيد عن الاقتصاد وكذلك التراجع الحاصل في نمو الناتج المحلى وحسب ما ذكر صندوق النقد الدولي ان نمو الناتج المحلى الحقيقي سوف يقترب من الصفر هذه السنة، اذن نحن اليوم امام سياسة انكماشية وبنفس الوقت لدينا تضخم سلبي مستمر منذ بداية هذه السنة مع ضعف في نمو الناتج المحلى (متوقع) مما يجعل حالة الاقتصاد فريدة ويزيدها تعقيدا فهذه السياسة الانكماشية لا تطبق الا في حالة وصول التضخم الي معدلات عالية خارج نطاق المستهدف لكن مع حالة التضخم السلبي فان هذه السياسة سوف تزيد من عمق التضخم السلبي وقد تؤدي في نهاية الامر الي انكماش اقتصادي يضرب كل مناحي الأنشطة الاقتصادية، وعند الرجوع الي البيان الصادر عن مشاورات صندوق النقد الدولي مع المملكة نلاحظ انه يتوقع عودة التضخم الي النمو لكن ليس بسبب عودة الانفاق او الحركة الطبيعية للاقتصاد بل بفعل التضخم من ارتفاع الأسعار جراء الضرائب وهو امر بكل تأكيد ليس هو الحل لعودة التضخم الي مساره الصحيح، وان كنت لا اعلم حقيقةُ ما هو المعدل المستهدف من قبل المسؤولين حتى نقيم الوضع بشكل افضل.

وبالعودة مرة أخرى الي البيان نجد التباين بين المدراء التنفيذيين حول وتيرة التدرج في الإصلاحات المزمع تنفيذها من السعودية حيث أشار "معظمهم" الي إمكانية التدرج في الإصلاحات بوتيرة اقل من الحالي في إشارة الي حدة الإصلاحات على النشاط الاقتصادي وخصوصا في ضل وجود احتياطيات ملائمة تملكها السعودية بينما أشار البقية الي المخاطر التي قد تحدث في حال تقليل وتيرة الإصلاحات لكن وعلى كل حال الجميع اتفق على ضرورة مراقبة السعودية لبرامجها الإصلاحية واتخاذ إجراءات إصلاحية اذا اقتضى الامر، في نظري اتفق مع اخر فقرة وتوصية وارى في نفس الوقت ان التدرج بوتيرة اقل افضل عطفا على المؤشرات الاقتصادية السابقة من التضخم السلبي الي تراجع نمو الناتج المحلى والذي اخشي ان ندخل في تسجيل اول نمو سلبي في الناتج المحلى في الربع الأخير او السنة القادمة في حال استمرت السياسة المالية بنهج الانكماش وخصوصا في جانب الانفاق الحكومي وبالذات الانفاق الرأسمالي الذي وحسب بيان وزير المالية في تعليقه على أداء الميزانية في الربع الأول من هذه السنة كان ضعيفا جدا رغم تلميح الوزير الي اختلاف الأداء في باقي السنة.

من الواضح ان مزيدا من الضغوط لرفع الفائدة هذه السنة والسنة القادمة سوف يكون واقعا وعامل ضغط على السيولة وعلى التضخم من جهة أخرى مما يعنى لزاما ضرورة التدخل وتعديل السياسة المالية لتأخذ نهجا اكثر توسعا (بزيادة الانفاق) لدعم الاقتصاد وتخفيف اثار الضغط الناتج من السياسة النقدية الحاصلة من ارتباط الريال بالدولار، طبعا زيادة الانفاق يعني زيادة العجز وهو مشكلة أخرى ولذلك بينت ان الوضع الحالي معقد ولكي تغطى الحكومة العجز اما تسحب من الاحتياطي او تستدين او كلاهما، لكن الاستدانة من الداخل سوف تعيدنا المربع الأول وهو سحب السيولة مرة أخرى ولذلك أي خطط استدانة يجب ان تشمل استهداف المستثمرين بالخارج وخصوصا بعد النجاح الكبير الذي تحقق في السابق.

ختاما ان مراقبة الاقتصاد ومؤشراته في هذا الوقت الحساس كما أشار بيان صندوق النقد مهم جدا والتدخل في الوقت المناسب ضروري حتى يتم ضبط الاقتصاد وتصحيح مساره الي معدلات النمو المستهدفة سواء في نمو الناتج المحلى الحقيقي او الناتج الغير نفطي او عودة الاستقرار الي مؤشر التضخم واستقراره عند معدلات مقبولة.

خاص_الفابيتا