شركات الاستشارات القانونية الأجنبية والتعاون مع مكاتب المحاماة السعودية

12/02/2017 0
عبدالله بن علي آل سعيد

لطالما أثارني وأثار زملاء المهنة من حولي فضول معرفة ماهية عمل شركات الاستشارات القانونية الأجنبية الممارسة لنشاط تقديم الاستشارات القانونية في المملكة، ومدى حاجة السوق إليها والميزات التنافسية لديها. وتجاوباً مع هذه التساؤلات، أحببت أن أدلي بدلوي الذي استقيته من بئر التجربة مع إحدى شركات الاستشارات الأجنبية في المملكة المتعاونة مع مكتب سعودي. 

سأبدأ باستعراض أنواع الأعمال أو الخدمات القانونية التي عادةً ما تقدمها شركات الاستشارات القانونية الأجنبية في المملكة، ثم أتناول الميزات التنافسية لدى تلك الشركات، ثم أثر ذلك على مجال مهنة المحاماة والممارسين لها. 

•أنواع الأعمال القانونية المقدمة

هنا وقفة اعتراف،  إنّ بعض المصطلحات المستخدمة في المجال قد تبدو رنانة في ظاهرها للبعيد المراقب لكن هذه طبيعة أصحاب كل مهنة وفن، يخلقون لغةً لا يفهمها إلا القريب منهم حتى يزيدون من قيمة المهنة أو الفن، ولا مشاحة في ذلك. 

•لعل من أوضح الخدمات التي تقدمها شركات الاستشارات القانونية، الخدمات المتعلقة بالقروض (أو التمويل) وتشمل صياغة ومراجعة عقود القروض المقدمة من البنوك التجارية وشركات التمويل وغيرها من الجهات المرخصة بذلك "والقادرة على تحمل تكاليف المحامين"، إما من جهة مدى موافقة بنود الاتفاق لمصالح العميل (المتفق عليها بشكل أساسي في مرحلة التفاوض)، ومدى توافقها مع أحكام وقواعد النظام الحاكم على هذه العلاقة. ومن جهة أخرى، تقديم الاستشارة المتعلقة بهيكلة القروض التي تخرج عن قالب النماذج الموجودة لدى البنوك وجهات التمويل بحكم حجم القرض محل النظر أو اختلاف طريقة التمويل.

•أما ما يندرج تحت الخدمات القانونية لقسم "الشركات"، فهي تشمل الدمج والاستحواذ، وذلك بدءاً من مساعدة العميل في اتخاذ القرار المناسب المتعلق بهيكلة الدمج والاستحواذ من ناحية قانونية بما يتناسب مع مصالح العميل، ثم إعداد الاتفاقيات اللازمة كاتفاقية عدم الإفصاح ومذكرة التفاهم، ثم إتمام عميلة "الدراسة النافية للجهالة" أو “Due Diligence”، وأخيراً إتمام ما يلزم من الاتفاقيات والعقود، بحسب بساطة وتعقيد الصفقة ذات العلاقة. وتشمل الخدمات القانونية المتعلقة بالشركات، هيكلة وإعداد وصياغة اتفاقيات الشراكة ،أو “Joint Venture”، وتأسيس الشركات بمختلف أنواعها وإعداد عقود التأسيس وتعديلها وقرارات الشركاء وأنظمة الشركات الأساسية.  

كما تشمل الاستشارات المتعلقة بالشركات، تقديم الخدمات القانونية المتعلقة بإعادة هيكلة الشركات، وذلك يكون بحصر وجمع ومراجعة جميع المستندات القانونية من تراخيص وسجلات وعقود وإثبات للملكية وكل ماله أثر على الوضع القانوني للشركة محل النظر، ثم إصدار تقرير الدراسة النافية للجهالة والذي يُبيّن فيه المركز القانوني للشركة (عادة ما تكون قابضة على عدة شركات) بشكل مفصل بعد مراجعة جميع المستندات، ومن ثم تقديم التوصيات الضرورية (مثلاً تعديل اتفاقية معينة تحظر على الشركة تغيير مركزها القانوني، أو تتطلب إشعار الطرف الآخر قبل القيام بأي تغيير لهيكل الشركة). كثيراً ما يكون سبب إعادة هيكلة الشركات هو تهيئة الشركة للطرح العام في سوق الأسهم، وهذا يقودنا إلى الحديث عن القسم التالي وهو قسم "أسواق المال".

•إنّ قسم "أسواق المال" يختص بتقديم الخدمات المتعلقة بطرح الشركات، أو الصكوك في سوق الأسهم ولغرض الطرح تشترط هيئة سوق المال على الشركة الراغبة في الطرح تقديم نشرة الإصدار والتي تأخذ طابعاً معيناً مفصلاً في اللوائح المنشورة من قبل هيئة سوق المال (تهدف نشرة الإصدار بشكل مبسط إلى تعريف المستثمر بالشركة لحد يستطيع معه اتخاذ قرار الاستثمار من عدمه) لذا يقوم المستشار القانوني جنباً إلى جنب مع المستشار المالي في مساعدة الشركة في إعداد نشرة الإصدار حتى تعتمد من قبل هيئة سوق المال.

•وأما على صعيد الخدمات المتعلقة بسنّ الأنظمة، فتتميز شركات الاستشارات القانونية الأجنبية بقدرتها على إجراء دراسة مقارنة لتشريعات عدة من دول تقدمت في المعاملات محل التشريع كالأنظمة المتعلقة بالمنافسة والوكالة التجارية والامتياز والإفلاس والشركات وغير ذلك، ومن ثم إبراز إيجابيات وسلبيات كل من الأنظمة المقارنة، ومن ثم مساعدة الجهة المشرعة لسنّ نظام يتوافق مع الطبيعة القانونية للملكة. ويتأكد دور تلك الشركات في سن الأنظمة المتعلقة بالمعاملات التي سبق وتطور التشريع فيها في دول العالم.

•علماً أن الاستشارات القانونية تشمل التحقيقات الداخلية في حال الاشتباه في مخالفة أنظمة محلية أو عالمية

 (White Collar)، وإصدار التقارير القانونية اللازمة. 

كما تشمل الاستشارات القانونية تقديم المذكرات القانونية للإجابة على أسئلة معينة متعلقة بالنظام السعودي. الرجاء ملاحظة أن ما تمت الإشارة إليه من خدمات أعلاه ليست على سبيل الحصر وإنما هي الحاضرة في ذهني إما لقرب عهد بمزاولة أو لكثرة تكرارها مقارنة بغيرها.

•المزايا التنافسية 

قبل الخوض في الميزات التنافسية لدى شركات الاستشارات القانونية الأجنبية، لابد من التذكير بأن العالم بحدوده الجغرافية واختصاصاته القضائية المختلفة ومصادره التشريعية المتعددة، يقوم على عصب ذات المعاملات التجارية والمالية التي تتشابه إلى حد كبير وإن اختلفت في تفاصيلها بقدر اختلاف الأنظمة والثقافات، وأصبح التاجر في أقصى الشرق يبيع سلعته في أدنى الغرب والعكس صحيح، ناهيك عن انفجار عالم التجارة الإلكترونية وشركات التقنية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية على وجه الإطلاق، بل أمسكت بعنان الثقافات وذللتها (شئنا أم أبينا) وتسببت في تغيير كثير من الأنظمة. كما أن المملكة، على وجه الخصوص، أصبحت تسابق الزمن في استقطاب المال والأعمال وفي تحسين البيئة التنظيمية طالبةً في ذلك الريادة والقيادة. ولهذا كله كان من مميزات شركات الاستشارات الأجنبية ما يلي:

•فيما يخص الخدمات المتعلقة بهيكلة وصياغة العقود سواءً على صعيد التمويل أو عقود المشاركة (التقليدي منها وغير التقليدي)، فإن الميزة التنافسية تكمن في قاعدة البيانات الضخمة التي تحوي المئات بل الآلاف من العقود التي تحدث بشكل دوري على مستوى جميع المكاتب في العالم والتي تقدم للعميل أفضل الممارسات في العالم في الصفقة ذات العلاقة.   

•وأما على صعيد الخدمات المتعلقة بسنّ الأنظمة، فإنّ قدم سبق شركات الاستشارات القانونية الأجنبية في المشاركة في سنّ الأنظمة المشابهة في مختلف الدول يتيح لها تقديم عصارة تلك التجارب في شكل دراسة مقارنة للعميل وإبراز الإيجابيات والسلبيات لكل نظام مقارن حتى يتسنّى للعميل الخروج بمنتج يتناسب مع طبيعة المملكة.

•ثم إنّ الشبكة الواسعة من المحامين في شركة الاستشارات الأجنبية الواحدة يتيح لأي من هذه المكاتب فرصة الاستفادة من التخصص الدقيق للمحامين في شتى الدول، فمثلاً يمكن لمكتب الرياض الاستفادة من محامي في مكتب واشنطن مختص في عقود صفقات الطيران، أو محامي في مكتب لندن مختص في المشتقات المالية، أو محامي في مكتب طوكيو مختص في الصناديق السيادية، أو محامي في مكتب لوس أنجلوس مختص في مخالفات المعايير المحاسبية للشركات المساهمة المدرجة، أو محامي مكتب (السيلكون فالي) مختص في شركات التقنية، وهلم جرا. 

إنّه وإن كان من البدهي أهمية فهم المحامي للغة عميله، إلا أنّ القيمة المضافة لا تقتصر على فهم لغة الكتابة والتحدث فقط، بل تتجاوز إلى فهم لغة العمل ذاته، فلا غرابة أن يكون المحامي ملماً بطريقة عمل المستشفيات الخاصة، أو بطريقة عمل صناديق الاستثمار، أو بطريقة عمل تمويل الشركات أو سلسلة إنتاج المواد الغذائية وهكذا. 

•الأثر الإيجابي في وجود هذه الشركات الأجنبية على مجال مهنة المحاماة في المملكة

خلافاً لما يعتقده جمع من زملاء المهنة ، فإنّ وجود شركات الاستشارات القانونية الأجنبية وإن كان ضرورياً لوجود الفجوة الكبيرة بين الخدمة التي تقدمها المكاتب المحلية وبين حاجة السوق للخدمات القانونية المختلفة، إلا أنه يجب القول بأن وجود تلك الشركات له الأثر الإيجابي لرفع كفاءة المهنة حيث يكتسب فيها المحامي، من بين أمور أخرى، التدريب والتقويم المستمر. فعلى سبيل المثال، عادة ما يبدأ عمل ما (صياغة عقد مثلاً) بقيام المحامي المتقدم بتزويد المحامي المبتدأ بالتعليمات اللازمة للبدأ بالعمل، فيقوم المحامي المبتدأ بالإنتاج الأولي للعمل وعرضه على المحامي المتوسط وأخذ ملاحظاته، ثم مراجعة العمل بما يتناسب مع تلك الملاحظات وهكذا، حتى يعرض على المحامي المتقدم (أو الشريك) وأخذ ملاحظاته على العمل، ثم مراجعته بما يتناسب مع تلك الملاحظات حتى يخرج بصيغته النهائية. وبذلك يتاح للمحامي المبتدأ معرفة التعليمات الأولية، وثم الاستفادة من الملاحظات اللاحقة والأخطاء التي وقع فيها.

إن سير العمل بهذه الطريقة يحقق هدف تدريب المحامين بشكل جيد، وكذلك ضمان إخراج المنتج القانوني بشكل احترافي وخال من الأخطاء، وأخيراً إدارة تكاليف المشروع القانوني بشكل أكثر كفاءة، كما يكتسب المحامي مهارة إتقان الجودة العالية تحت الضغط، والعمل في فريق عمل من محاميين من مختلف التخصصات والثقافات والشخصيات، ومهارة إدارة علاقة العملاء من الطبقات المختلفة (والتي يمكن أن تكون لحوحة).

وفي المقابل يكون هناك حوافز للمحامين من رواتب مجزية وترقيات سنوية وغير ذلك، حتى يتم تشجيع المحامين وتحفيزهم لبذل أكبر جهد ممكن. وهنا يستفيد المحامي، ومكتب المحاماة، والعميل. إنه وإن كان من الحري بالمحامين السعوديين حمل الهاجس الوطني للرقي بمهنة المحاماة في المملكة والحرص على جودة المخرجات، إلا أن القيام بذلك له المردود المادي الإيجابي. 

ومرة أخرى، إن ما أوردته أعلاه، لا يقيس إلا تجربتي الشخصية وقد تختلف وجهة النظر من محامي لآخر ومن شركة لأخرى، والله ولي التوفيق.

خاص_الفابيتا